من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٠ - له الأسماء الحسنى
أولًا: أنه الْمَلِكُ يملك ناصية القدرة في كل شيء، فلا حول لشيء ولا قوة له إلا به، ولا يقع حدث إلا في دائرة علمه وقدرته، وله مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .. تصور نملة صغيرة في غابة واسعة تنتقل في ليلة ظلماء من موقع لآخر، يعلم الله بسرها وهدفها، وحركة الروح بين أضلعها، ووساوس الشهوة في قلبها، وانبعاث الغرائز في نفسها .. يعلم كل ذلك ويحيط بها ملكوته. إن الله يملك حركة الأشياء، ويملك ذاتها، فله ملكوت السماوات والأرض، تعالى ربنا وعظم ملكه. أنه ملك لا يزول ملكه، ولا تحدده الحدود الجغرافية، ولا تقيده المعادلات الكونية. هل سمعت قصة المأمون العباسي عندما دنت منه الوفاة كيف أشرف على معسكره العريض، وتنفس الصعداء، وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه؟! هكذا قهر ربنا الجبار عباده بالموت والفناء، حتى وضع الملوك على رقابهم نير العبودية فهم من سطواته مشفقون، ومن عزته خائفون.
ثانياً: للقدرة حين تكون عند البشر سكرها، وسكر القدرة أعظم من أي سكر، وحين تلعب برأس المقتدرين خمرة القدرة يفسقون عن حدود المشروع، وينسابون في الأرض انسياب الأفعى يزرعون السم والموت، وقد قال ربنا سبحانه كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦- ٧] وقال سبحانه فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد: ٢٢] ولكن ربنا سبحانه قدوس منزه عن الظلم والحيف، والقدوس يعني الطاهر، وسمي الدلو عند أهل الحجاز ب- (القُدَس) لأنه يتطهر به. ولعل معنى القدوس: أنه سبحانه طاهر بذاته، ومُطهِّر لغيره، كما نقول في قيوم: أن معناه القائم بذاته الذي تقوم به الأشياء.
ثالثاً: ومن تجليات اسم القدوس أنه سلام، فهو لا يعتدي على أهل مملكته، ولا يؤاخذ أهل الأرض بألوان العذاب، أما إذا التجأ إليه العبد فإنه يجد دار السلام، حيث يحيطه من فضله بسكينة في قلبه يمنحه بها سلامة من وساوس الشيطان، وسلامة من همزاته ودفعاته، وسلامة من الخوف والقلق والتردد، وسلامة من الحقد والحسد وظن السوء، ويحيطه من فضله بعافية في حياته وسلام من الأخطار، إلا حسب ما تقتضيه حكمته من ابتلائه وفتنته، ويرجِّيه من فضله بعاقبة حسنى، فيها كل أمنة وسلام. وهكذا جاء في الدعاء
«اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ومِنْكَ السَّلَامُ ولَكَ السَّلَامُ وإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ» [١].
رابعاً: ويشتق من السلام اسم الْمُؤْمِنُ حيث يؤمن من التجأ إليه من شر نفسه وشر الشيطان وشر كل ذي شر هو آخذ بناصيته. ولولا الأمان الذي وفَّره رب الرحمة والقدرة لهذا
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ١، ص ٣٢٢.