من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٨ - له الأسماء الحسنى
نتيجة المضامين العظيمة التي تشتمل عليها آياته، وأهمها وأعظمها انطواؤها على تجلي الخالق عز وجل. لذلك كان القرآن هو المنزل، وكانت الخشية من الله سبحانه. إذن فعظمة القرآن مكتسبة من ذلك التجلي، الذي ظهر بصورة أخرى للجبل فاندك وخرَّ موسى صعقا.
وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ولنا أن نهتدي من هذا المثل إلى تصور مدى القسوة التي ينبغي أن يبلغها قلب الإنسان حتى لا يتأثر بالوحي خشية وتقى. لا شك أنه سيكون أشد قسوة من الحجارة، وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة: ٧٤]. هكذا يضرب الله الأمثال للناس لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيهتدون إلى عظمة كتاب ربهم، فتلين به قلوبهم. وتأكيد القرآن على إثارة العقل بالتفكير لدليل واضح إلى أنه ليس بديلا عن عقل الإنسان إنما هو مكمِّل ومرشد له إلى الحق في أقوم صوره. وهذه الآية تهدينا إلى أن عظمة القرآن لا تتكشف لأحد إلا بالتفكر بآياته وأمثاله، ذلك أنه كلما تقدم بالإنسان الوعي والعلم عرف عظمته وأحس بالحاجة إليه، وأن الرسالة الإلهية جاءت لتحرك عقول البشرية، وترفع تخلفها الفكري، ذلك أن الحركة الحضارية الحقيقية تبدأ باستثارة العقل وترتكز عليه، والعقول التي لا يحركها القرآن نحو التفكر والخشية من الله وهو أعظم محرك لهي أقرب إلى الموت من الحياة.
[٢٢] أسماء الله وسائل معرفته، ومعرفة الله سبيل قربه، والقرب من الله غاية كمال الإنسان، وإنما خلق الله أسماءه لكي ندعوه بها، ولولا تلك الأسماء كيف كان يتسنى لنا معرفته؟ هكذا جاء في حديث شريف عن الإمام الرضا عليه السلام يسأله ابن سنان عن معرفة الله بنفسه، ومتى خلق أسماءه؟ فيقول: [سَأَلْتُ أَبَا الحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام: هَلْ كَانَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَارِفاً بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ؟ قَالَ عليه السلام
نَعَمْ،
قُلْتُ: يَرَاهَا ويَسْمَعُهَا؟ قَالَ عليه السلام
مَا كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهَا ولَا يَطْلُبُ مِنْهَا، هُوَ نَفْسُهُ ونَفْسُهُ هُوَ، قُدْرَتُهُ نَافِذَةٌ فَلَيْسَ يَحْتَاجُ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ، ولَكِنَّهُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً لِغَيْرِهِ يَدْعُوهُ بِهَا لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْعَ بِاسْمِهِ لَمْ يُعْرَفْ ...» [١].
ولكن كيف ندعو الله بأسمائه؟ إنما يتم ذلك حينما نجعلها وسيلة إلى معرفته فلا نجمد عند حروفها، ولا ندعو بالأسماء كأسماء، بل نجعلها سبيلا إلى ذلك الرب الذي نشير إليه ب- [هو] ذلك الذي تجلت آياته في كل شيء، ولكن تعالت ذاته عن العقول. وهكذا جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام حين يجيب هشام بن الحكم حين يسأله عن أسماء الله واشتقاقها
«يَا هِشَامُ اللهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ، والإِلَهُ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً، والِاسْمُ غَيْرُ المُسَمَّى، فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ المَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ ولَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً، ومَنْ عَبَدَ الِاسْمَ والمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وعَبَدَ اثْنَيْنِ، ومَنْ
[١] الكافي: ج ١، ص ١١٣.