من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٢ - وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
لأنها كأي مسلم وأية مسلمة ترى في القرآن وعند القيادة الربانية حلًّا لكل مشكلة، وجوابا لكل تساؤل. ولا ريب أن هذه العلاقة الوثيقة بين الأمة وكتابها وقيادتها ولَّدت حضارة الإيمان التي لا زالت في مُثُلها وقيمها كما في واقعها مثلا وأسوة للبشرية.
إن خولة ألحَّت على الرسول صلى الله عليه واله وراجعته في الجدال مرات ومرات، ولكنه ما كان ليستصدر حكما من عند نفسه متأثرا لحالها، وما كان يعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه، مما يؤكد أنه مرسل من قبل الله، لا ينطق عن الهوى ولا عن عقل البشر. وإنه لمن صفات القيادة الرسالية انطلاقها في أحكامها ومواقفها ورؤاها من الرسالة، وليس عيبا السكوت، إنما العيب أن يحكم الإنسان على أساس الهوى والجهل، أو أن يتقول على الله، فهذا رسول الله صلى الله عليه واله على عظمته يجيب المرأة
«وَلَمْ أُؤمَرْ فِي شَأْنِكِ بِشَيْءٍ»
[١]، حتى نزل قوله تعالى في شأن الظهار.
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا أي في شأنه وأمره، تريده يرجع إليها. وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وتكشف مجادلتها وشكواها عن الأثر العميق للحادثة في نفسها، لأن الظهار في عرف الجاهلية يُنهي كيان الأسرة إلى الأبد. إنها حقًّا صورة من الغي والضلال تعكس مأساة الإنسان في ظل الجاهلية.
بلى، إن الأمر قضَّ مضجع هذه المرأة الضعيفة، وما فتئت تعاود رسول الله في أمرها، لعلها تجد بلسما في دين الله، وعند رسول الرحمة. وإن قلبها ليحدثها بأنه تعالى أسمى من أن يعطي لهذه العادات شرعية، مما يدفعها للحوار مع النبي المرة بعد الأخرى دون يأس. وكل ذلك بظاهره وباطنه وبدقائق تفاصيله لم يكن ليخفى على الله وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنه شاهد ناظر، لا حاجب يمنعه، ولا ستر يستر عنه. إنهما الآن واقفان في زاوية البيت يتحاوران، تقول هذه المرأة المجادلة لرسول الله- حسب بعض النصوص-: [يا رسول الله قد نسخ الله سنن الجاهلية، وإن زوجي ظاهر مني، فقال لها: ما أُوحي إليَّ في هذا شيء، فقالت: يا رسول الله أوحي إليك في كل شيء وطُوي عنك هذا؟ فقال: هو ما قلت لك] [٢].
هذا رسول الرحمة، هذا مركز العطف وينبوع الحنان، هذا صاحب الخلق العظيم، ولكن الله أرحم الراحمين وأعظم عطفا وحنانا فلا يجوز أن نرى أحدا أقرب إلينا منه ولا أرحم، حتى ولو كان الشفيع الحبيب محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله على أنه السبيل إلى الله، وأقرب الوسائل إليه، وأقرب الشفعاء.
[١] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ٥٦.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٧، ص ٢٧١.