من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١ - إن عذاب ربك لواقع
بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هذا هو السبب الوحيد إلى الجنة، فمن يتقي الله يقيه عذاب الجحيم. وعند المقارنة بين جزاء أهل النار وبين هذه الآية نرى القرآن يعبِّر هناك عن سبب العذاب بقوله مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل: ٩٠]، في حين يعبر عن سبب الرحمة هنا بقوله بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ بإضافة كلمة الباء الدالة على البعضية، مما يدل على أن الجزاء هناك هو أعمالهم ومساوٍ لها نوعاً وكمًّا، في حين أن ثواب الله عز وجل لأصحاب الجنة مضاعف، وإنما عملهم سبب ووسيلة له فقط.
[٢٠] مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ قال الراغب في مفرداته: [والسرير الذي يُجلس عليه من السرور، إذ كان ذلك لأولي النعمة، وجمعه أَسِرَّة وسُرُر]. وقال: [وسرير الميت تشبيها به في الصورة، وللتفاؤل بالسرور الذي يلحق الميت برجوعه إلى جوار الله تعالى وخلاصه من سجنه المشار إليه بقوله صلى الله عليه واله
«الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ»
[١]، وسرر المتقين في الجنة تكون مرتبة في نظام بحيث يتقابلون فيها لا يستدبر أحدهم الآخر، ويعمِّق ذلك النظام حالة السرور، لأن النفس تهوى الترتيب.
وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ عند التعمق في هذه الآية والتي سبقتها نجد علاقة بين النعم الثلاث التي يذكرها القرآن جزاءً للمتقين، فأولا ذكر الإباحة في الأكل والشرب جزاء لالتزامهم بالحلال والحرام في الدنيا، وكبحهم لشهوات البطن، ثم ذكر الاتكاء على السرر مما يرمز إلى الراحة جزاء تركهم الراحة وتحملهم أعباء المسؤولية في الدنيا، وأخيرا يذكر نعمة الحور العين جزاءً وفاقا لتجنبهم الحرام من الجنس، وهذا التدبر يتصل بعمق مع كلمة المتقين.
[٢١] ولأن المتقي كأي إنسان آخر يتطلع إلى خير أُسرته، يعرِّج القرآن ليعالج هذه المسألة علاجاً مبدئيًّا، وذلك بإعطاء المؤمنين وعدا بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة ليتم لهم السرور، ولكن بشرط أن يتبعوهم بإيمان.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وهكذا الإسلام لا يرى وسيلة إلى الجنة سوى العمل الصالح، فلا يتم التحاق الذرية لمجرد الانتساب، بل بالاتباع الواعي لمسيرة الجيل المتقدم (بإيمان)، أما مجرد الانتماء النسبي أو حتى الاتباع الأعمى لا يغني شيئا حسب منهج القرآن بغض النظر عن كون العمل صالحا أو فاسدا.
إن المنطلق في ممارسة العمل الصالح ينبغي أن يكون منطلقا سليما. أترى لو مارس أحد الطقوس الدينية بغير نية التقرب، بل لأنه ولد في أسرة مسلمة أو يعيش في مجتمع مسلم ويتماشى
[١] مفردات غريب القرآن: ص ٢٢٩.