من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٢
مِنْ بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الحِكْمَةِ إِلَّا كَانَ خَرَاباً، أَلا تَفَقَّهُوا وَتَعَلَّمُوا وَلَا تَمُوتُوا جُهَّالا» [١].
وفي تفسير آخر مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
«وَالحِكْمَةُ هِيَ: الثَّبَاتُ، وَصِفَةُ الحَكِيمِ الثَّبَاتُ عِنْدَ أَوَائِلِ الأُمُورِ وَالوُقُوفُ عِنْدَ عَوَاقِبِهَا، وَهُوَ هَادِي خَلْقِ الله إِلَى الله تَعَالَى» [٢].
وتكاد كلمات المفسرين في الحكمة تكون واحدة، فقد فسرها مالك بن أنس: [أنها الفقه في الدين]، وقال بعضهم: [ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق الأمور، ويحسنون التقدير، وتلهم أرواحهم صواب الحكم وصواب العمل]، وقال آخر: [الكتاب: الوحي، والحكمة: العقل]، وقال آخر: [إن الحكمة هي العلم الذي يعمل به فيما يُجتبى أو يُجتنب من أمور الدين والدنيا] ..
وهكذا تتواصل تفسيراتهم للحكمة لتوضح أنها بلوغ مستوى من علم الدين يمكِّن الإنسان من معرفة متغيرات الشرائع وهو الفقه.
بلى؛ لا يمكن فقه الإسلام بعمق من دون فقه الزمن، لأن حكم الله يختلف من حادثة لأخرى وواقعة وثانية، وإنما أصبح الفقهاء مرجعا لأحكام الدين لأنهم يعرفون الدين، ويعرفون شروط الزمن ومتغيرات الحوادث، فيستنبطون أحكامها منه، ولذلك جاء في الحديث الشريف
«وأَمَّا الحَوَادِثُ الوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا» [٣].
وهكذا كانت الحكمة هي العقل المزكَّى بالدين، وهي لا تتأتى عادة إلا بعد الإلمام بسائر أحكام الشريعة وقيم الوحي.
ولأن القرآن آخر رسالة بعثها الرب إلى عباده، وهي التي تستمر حتى قيام الساعة برغم تطور الظروف، فإن البشرية احتاجت إلى الحكمة المرتكزة في أئمة الدين لملاحقة المتغيرات.
وهكذا دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبعث في العرب مَنْ يعلمهم الحكمة والكتاب، فقال هو وابنه إسماعيل رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩]، واستجاب الله لإبراهيم وبعث النبي محمداً إلى أولئك الأميين فجعلهم الله به في مستوى رفيع، حتى قال الرسول في بعضهم صلى الله عليه واله
«عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ كَادُوا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الحِكْمَةِ أَنْبِيَاءَ»[٤].
[١] نور الثقلين: ج ١، ص ٢٨٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ١، ص ٢١٥.
[٣] وسائل الشيعة: ج ٢٧، ص ١٤٠.
[٤] الكافي: ج ٢، ص ٥٢.