من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٦ - فهل من مدكر
الملائكة
«فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ جَبْرَئِيلُ بِيَدِهِ فَرَجَعُوا عُمْيَاناً يَلْتَمِسُونَ الجِدَارَ بِأَيْدِيهِم»
[١]. إلا أن القوم لم يتعظوا بهم، بل أصروا على فسادهم، وتمادوا في التكذيب، ولعل بعضهم راح يؤول عماهم إلى أسباب أخرى، فهم كما وصفهم في أول السورة وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ٢].
[٣٤- ٣٥] بلى؛ إنهم كذبوا فما أهملهم الله، بل أرسل عليهم ريحا محشوة بالحجارة الصغيرة في بادئ الأمر، لتكون آخر النذر وعلامة إلى لوط والمؤمنين معه بقرب العذاب، وربما كان ذلك أواخر الليل، أما العذاب الحقيقي فقد أخَّره إلى الصباح ريثما يخرجون.
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً ولكن بقيت العناية الإلهية تحفظ المؤمنين وترعاهم، حيث أمر الله لوطا عليه السلام والمؤمنين بالخروج من القرية الظالم أهلها ليكونوا في مأمن من العذاب فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود: ٨١]، فارتحلوا منها، وهذا يدل على أن العملية كانت تجري بإشراف إلهي مباشر لا صدفة، فحتى خروجهم لم يكن بسبب الإرهاصات الطبيعية للعذاب، بل كان بأمر نزل من الله، ولولاه لربما كانوا يبقون، لذلك يؤكد القرآن أن الله هو الذي أنجاهم وأنقذهم إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ يعني نهايات الليل وبدايات الصباح، ولا يكتفي الوحي بذلك بل يضيف أن النجاة كانت نعمة إلهية، وليست نتيجة حالة بشرية أو صدفة نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ولكنها مرتبطة بواقع بشري هو الشكر. إنها مرت بدورة متكاملة: إيمان+ عمل وشكر صاعد من قبل الإنسان+ الإرادة الإلهية بالتوفيق/ النعمة النازلة من الله للإنسان، وربنا لا يخصص هذه الدورة بشخص لوط عليه السلام بل يخلص من ذكر الخاص إلى العام ومن الشاهد إلى السنة كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ أيًّا كان، وفي أي مكان وزمان.
[٣٦- ٣٧] ويعود القرآن إلى التأكيد على أن العذاب مر بدورة متكاملة: انحراف بشري+ نذر إلهية+ تكذيب بشري وإصرار على الانحراف/ العذاب من عند الله (النقمة في مقابل النعمة)، إن لوطا شخَّص الانحراف الاجتماعي، وسعى جاهدا إلى التغيير والإصلاح، فأنذر قومه من عواقب ضلالهم وأنه يؤدي بهم إلى الانتقام الشديد الذي لا قِبَلَ لهم به من عند ربهم وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا وبدل أن يفكروا في النذر ويتعظوا بها صاروا يتمارون، والتماري كما يبدو هو الشك الذي يتحول إلى تشكيك اجتماعي، وقوم لوط لم يكتفوا بتكذيبهم، بل صار الواحد يُدخل الشك إلى الآخر لكي يمعنه من الإيمان بالنذر البالغة، وسُمِّي الجدال مراء لأن أطرافه يُشْكِلُ الواحد على الآخر بقصد رد حجته وإبطالها.
[١] بحار الأنوار: ج ١٢، ص ١٦٠.