من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٥ - فهل من مدكر
غَداً وَوُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةٌ، وَاليَوْمَ الثَّانِيَ وُجُوهُكُمْ مُحْمَرَّةٌ، وَاليَوْمَ الثَّالِثَ وُجُوهُكُمْ مُسْوَدَّةٌ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ أَصْبَحُوا وَوُجُوهُهُمْ مُصْفَرَّةٌ، فَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: قَدْ جَاءَكُمْ مَا قَالَ لَكُمْ صَالِحٌ، فَقَالَ العُتَاةُ مِنْهُمْ: لَا نَسْمَعُ قَوْلَ صَالِحٍ وَلَا نَقْبَلُ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ عَظِيماً، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّانِي أَصْبَحَتْ وُجُوهُهُمْ مُحْمَرَّةً فَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: يَا قَوْمِ قَدْ جَاءَكُمْ مَا قَالَ لَكُمْ صَالِحٌ، فَقَالَ العُتَاةُ مِنْهُمْ: لَوْ أُهْلِكْنَا جَمِيعاً مَا سَمِعْنَا قَوْلَ صَالِحٍ وَلَا تَرَكْنَا آلِهَتَنَا الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَهَا، وَلَمْ يَتُوبُوا، وَلَمْ يَرْجِعُوا.
فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ أَصْبَحُوا وَوُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ فَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: يَا قَوْمِ أَتَاكُمْ مَا قَالَ لَكُمْ صَالِحٌ. فَقَالَ العُتَاةُ مِنْهُمْ: قَدْ أَتَانَا مَا قَالَ لَنَا صَالِحٌ، فَلَمَّا كَانَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَتَاهُمْ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَصَرَخَ بِهِمْ صَرْخَةً خَرَقَتْ تِلْكَ الصَّرْخَةُ أَسْمَاعَهُمْ، وَفَلَقَتْ قُلُوبَهُمْ وَصَدَعَتْ أَكْبَادَهُمْ.
وَقَدْ كَانُوا فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ قَدْ تَحَنَّطُوا وَ تَكَفَّنُوا وَ عَلِمُوا أَنَّ العَذَابَ نَازِلٌ بِهِمْ فَمَاتُوا أَجْمَعِينَ [أَجْمَعُونَ] فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ صَغِيرُهُمْ وَ كَبِيرُهُمْ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ ثَاغِيَةٌ وَلَا رَاغِيَةٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا أَهْلَكَهُ اللهُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ وَمَضَاجِعِهِمْ مَوْتَى أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الصَّيْحَةِ النَّارَ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُمْ أَجْمَعِينَ وَكَانَتْ هَذِهِ قِصَّتَهُمْ» [١].
وهي وسابقاتها وما يليها من القصص وإن تضمنت الكثير من الأفكار إلا أنها تدور حول فكرة محورية بهدف تيسيرها وتقريبنا منها.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ هكذا يكرر الذكر الحكيم آياته وعبره، ولعلنا نتنبه من الجهل والضلال والغفلة، ولكنه بالرغم من ذلك لا زال غريبا مهجورا في واقعنا بجميع أبعاده، فنحن لا زلنا بعيدين عن دعوته للوحدة والعمل، والاستقامة على الحق، ومحاربة الجبت والطاغوت، والاتعاظ بالنذر السالفة.
[٣٣] ومع ذلك ما يبرح يتابع إلينا سورة فسورة، وآية فآية، ومثلا فمثلا، فهذه آياته وقد انتهت من عرض قصة ثمود، تضرب لنا مثلا آخر عن عاقبة التكذيب بقصة قوم لوط، الذين تورطوا أخلاقيًّا في الشذوذ الجنسي، وصاروا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، فحذرهم نبيهم عليه السلام من هذا الانحراف عن طاعة الله وسنن الحياة، ولكنهم لم يعتبروا بمصير الماضين ولا بنصح لوط عليه السلام، بل راحوا يكِّذبونه، ويريدون به الشر والأذى، رغم النذر الظاهرة.
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ قيل: أنهم من النذر الذين أرادوا الفاحشة بضيف لوط من
[١] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٣٩٢.