من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٣ - فهل من مدكر
والإنسان لا يتصور أنه ينتهي إلى عاقبة كهذه لسبب يبدو تافها في نظره، إذ قدرة الإنسان على استيعاب كل ظواهر الخليقة وعواملها قدرة محدودة، لذلك جاء القرآن ليرفع الإنسان من حالة الشيئية واللهو إلى القيمة والجد.
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ بقدر ما كانت النذر مبينة بالغة كان العذاب مهولا ورهيبا. ويبين الوحي واقع ذلك العذاب فيقول: إنه لم يكن صدفة، بل كان مرسلا من عند الله، بلى؛ قد يأتي العذاب ضمن سنن الحياة الطبيعية والاجتماعية، ولكن السنن لا يمكن أن تتحرك في الفراغ، وبعيدا عن تدبير الخالق وهيمنته، وهذا البلاغ الإلهي يضع حدًّا لمشكلة عميقة هي تفسير ظواهر الخلق تفسيراً ماديًّا محضاً دون التوغل إلى خلفياتها المتصلة بسلوك البشر، الأمر الذي يصرفه عن العبرة والتذكرة.
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً صوتاً هائلًا صاعقاً، ربما يشبه انفجار القنبلة الذرية في العصر الحاضر أو أعظم فعن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام قال
«فَلَمَّا كَانَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَتَاهُمْ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَصَرَخَ بِهِمْ صَرْخَةً خَرَقَتْ تِلْكَ الصَّرْخَةُ أَسْمَاعَهُمْ وفَلَقَتْ قُلُوبَهُمْ وصَدَعَتْ أَكْبَادَهُمْ، وقَدْ كَانُوا فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ الأَيَّامِ قَدْ تَحَنَّطُوا وتَكَفَّنُوا وعَلِمُوا أَنَّ العَذَابَ نَازِلٌ بِهِمْ، فَمَاتُوا أَجْمَعُونَ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ صَغِيرُهُمْ وكَبِيرُهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ نَاعِقَةٌ ولَا رَاغِيَةٌ ولَا شَيْءٌ إِلَّا أَهْلَكَهُ اللهُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ ومَضَاجِعِهِمْ مَوْتَى أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الصَّيْحَةِ النَّارَ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُمْ أَجْمَعِينَ»
[١] لكيلا يبقى لهم أثر في الحياة، وتحدث الله بضمير الجمع إِنَّا الدال على التعظيم والتكبر لأن المقام مقام عزة الله وسلطانه.
فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ وهو بقايا العلف والحشائش والأعواد اليابسة التي تتراكم في حظيرة الماشية، وتبقى وتهشمها بأظلافها وحوافرها، وحيث لا تجد طريقا للخروج منها تظل تدوسها بكثافة. وقد ذكرت معاني أخر للهشيم إلا أن ما ذكرنا يبدو أقرب منها.
[٣٢] هكذا كان مصيرهم وعذابهم، وما تصوره الآيات لنا عنه مجرد لقطات يحفظها القرآن لإنذار البشرية وتذكيرها عبر الزمن، ونحن لا نستطيع تصور الصيحة التي عبَّر بها الرب يومئذ عن غضبه بعقولنا المحدودة، ولا نستطيع أن نتخيل ثمود وقد تعرضوا لها، بالذات لو كنا في مجتمع القرآن الأول أيام الرسول صلى الله عليه واله حيث لم يصنع الإنسان الأسلحة التدميرية المعاصرة، لذلك نجد القرآن يقرِّب لنا الصورة بتشبيه واقعي تستوعبه عقولنا، ويفهمه حتى ذلك البدوي الذي يقطن الصحراء، وهذا من منهج الله في تيسير كتابه المجيد.
[١] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٣٨٨.