من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠١ - فهل من مدكر
صالح، والإعراض عن الآيات والنذر، ومن ثم مبارزة الحق تعالى، يتوعدهم ربنا بالعذاب سَيَعْلَمُونَ غَداً في المستقبل الدنيوي والأخروي إذا نزل بساحتهم العذاب مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ وحينئذ سيكتشفون مدى ضلالتهم وهوانهم على الله، كما يوقنون عين اليقين بصدق النذر، ولكن دون جدوى، لأن العلم والإيمان ينفعان ما بقيت فرصة للتغير والعمل، والآية تهدينا إلى أن حبل الكذب قصير ينقطع بصاحبه سريعا، وعاقبته الخسران، لأنه يخالف سنن الله في الحياة.
[٢٧- ٢٩] ومنذ أوحى الله إلى نبيه بذلك الوعيد كان عالما بعاقبتهم، قادرا على إبادتهم، ولكنه- وقد كتب على نفسه الرحمة- لا يأخذهم بالعذاب قبل النذر، لأن حكمته اقتضت أن يجعل لنفسه الحجة البالغة، لئلا يقول الناس لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: ٤٧]، لذلك شاء وقضى أن يظهر لهم آيات العذاب أولًا.
إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ نبتليهم ونمتحنهم بها، وحينما يتعرض المجتمع للفتنة فإن مسؤولية القيادة الرسالية وكذلك المؤمنين أن يكونوا شهداء لله عليه، بالدعوة إلى الحق، وبيان البصائر والمواقف المطلوبة أثناءها، والتصدي لقيادته، وأن يستعدوا لهذه المسؤولية الحساسة، ويتحملوا من أجلها الضغوط المختلفة، ويستقيموا صامدين حتى يحكم الله تعالى فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة التي أخرجها الله من الجبل قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء: ١٥٥]، وكانت القسمة واضحة مقبولة لأنها تمت بحضورهم ورضاهم، فكل صاحب يوم يحضر شربه في يومه كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ.
وحينما يرسل الله الآيات المادية الواضحة إلى قوم أو أمة من الأمم فإن ذلك دليل على أنه يريد حسم الموقف بعذاب الاستئصال إذا كذبوا بها، ولقد كانت الناقة آية مبصرة إلا أنها في الوقت نفسه كانت صعبة على نفوسهم المنحرفة، ومن طبيعة الإنسان أنه حينما يواجه أمرا صعبا يفرز حالة نفسية يُضخِّم بسببها ذاته ويستهين بذلك الأمر، فإذا بالقيم السامية والدين يستحيلان إلى شيء حقير عنده، بلى؛ قد يكون الأمر ذاته ليس عظيما إلا أن عظمته الحقيقية تكمن في القيم التي يتصل بها، جاء رجل إلى الإمام الباقر عليه السلام فَقَالَ لَهُ: [وَقَعَتْ فَأْرَةٌ فِي خَابِيَةٍ فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ فَمَا تَرَى فِي أَكْلِهِ؟. قَالَ- الراوي-: فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام
لَا تَأْكُلْهُ.
فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: الفَأْرَةُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أَتْرُكَ طَعَامِي مِنْ أَجْلِهَا!. قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام
إِنَّكَ لَمْ تَسْتَخِفَّ بِالفَأْرَةِ وإِنَّمَا اسْتَخْفَفْتَ بِدِينِكَ، إِنَّ اللهَ حَرَّمَ المَيْتَةَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»
[١]، وفي الواقع الاجتماعي أيضا نجد شواهد لهذا الانحراف الخطر عند الإنسان، فإذا بك تراه لا يحترم العالم
[١] وسائل الشيعة: ج ١، ص ٢٠٦.