من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨١ - ويؤثرون على أنفسهم
وهكذا يحدد القرآن محور التواصل بين فئات المؤمنين: الأنصار الذين سبقوا غيرهم في بناء التجمع الإيماني، والمهاجرين الذين تجردوا عن مصالحهم في سبيل الله، فيبين أن الحب هو ذلك المحور.
ولا يصل الإنسان إلى هذا المستوى الرفيع من الأخلاق إلا إذا تمكن الإيمان من نفسه فتجاوز شح نفسه (الأهواء والشهوات، والمصالح) وتحرر عن أغلال الوطنية والقومية والعنصرية والطبقية والحزبية، وأصبح مثلما قال الإمام الصادق عليه السلام
«مَنْ أَحَبَّ لله وأَبْغَضَ لله وأَعْطَى لِلَّهِ فَهُوَ مِمَّنْ كَمَلَ إِيمَانُهُ»
[١] بلى؛ إن الحب في الله من أوثق عرى الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه واله
«وُدُّ المُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ فِي الله مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الإِيمَانِ» [٢].
وقد اعتبر أئمة الهدى الحب هو الدين، ويجيب الإمام الصادق عليه السلام سائلا سأله عن الحب: هل هو من الإيمان؟ فيقول
«يَا زِيَادُ وَيْحَكَ وهَلِ الدِّينُ إِلَّا الحُبُّ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
، أَوَلَا تَرَى قَوْلَ الله لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله
حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
، وقَالَ
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ
فَقَالَ: الدِّينُ هُوَ الحُبُّ والحُبُّ هُوَ الدِّينُ»
[٣]، وعنه عليه السلام قال
«قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله لِأَصْحَابِهِ: أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟
فَقَالُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ، وقَالَ بَعْضُهُمُ: الصَّلَاةُ، وقَالَ بَعْضُهُمُ: الزَّكَاةُ، وقَالَ بَعْضُهُمُ: الصِّيَامُ، وقَالَ بَعْضُهُمُ: الحَجُّ والعُمْرَةُ، وقَالَ بَعْضُهُمُ: الجِهَادُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
لِكُلِّ مَا قُلْتُمْ فَضْلٌ ولَيْسَ بِهِ، ولَكِنْ أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ الحُبُّ فِي الله والبُغْضُ فِي الله وتَوَالِي أَوْلِيَاءِ الله والتَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ الله»
[٤]. وكيف لا يحب المهاجرون، والمنتصرون، والسابقون إلى الإيمان من يلحق بهم، وقد جاؤوا ليحققوا أهم أهدافهم وهو نصرة الدين؟!.
وكلمة أخيرة: إن المؤمن الصادق محكوم بمعادلة التولي والتبري، وبالتالي فإن نسبة تبريه من الأعداء هي من وجهها الآخر تولٍّ للمؤمنين مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩].
وإننا اليوم نسعى من أجل المجتمع المسلم فلا بد أن نبدأ بأنفسنا، ونجعل تجمعنا ربانيًّا إلهيًّا، يدور على محور الحب في الله، والبغض في الله، حتى يباركه الله من فوق عرشه، ويرعاه بنصره وتأييده. وكلما ازداد صراعنا مع أعداء الله شدة وعنفا كلما ازددنا تلاحما وتماسكا
[١] الكافي: ج ٢، ص ١٢٤.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ١٢٥.
[٣] وسائل الشيعة: ج ١٦، ص ١٧١.
[٤] الكافي: ج ٢، ص ١٢٤.