من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٦ - ولقد يسرنا القرآن للذكر
بل وأقام عليه الحجة البالغة حينما حذره من مخالفتها
«وَلِئَلَّا يَقُولَ أَحَدٌ
لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا
مُنْذِراً وَأَقَمْتَ لَنَا عَلَماً هَادِياً
فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى] [١].
[٥] وليس في آيات الله تعالى نقص أبدا، بل فيها الحجة القاطعة، إذ جعلها الله من الوضوح والكمال درجة لا عذر لأحد في الإعراض عنها وعن دلالاتها، فهي كما يصفها تعالى حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ والبلوغ هنا بمعنى التمام والكمال، ومنه بلغ الرجل إذا اكتمل نفسيًّا وعقليًّا وعضويًّا، وبلغت الثمرة إذا نضجت وحان قطافها. وهناك معنى آخر تنطوي عليه الكلمة وهو الوصول. والحكمة الإلهية كاملة عمقا وشمولا، لا يعتريها نقص في المحتوى ولا الأسلوب. ثم إن الله أوصلها إلى الناس عبر أنبيائه المبلغين، فلا عذر لهم بأنه لم يرسل رسولا، وهذه الآية تشبه قوله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩].
إذن فالحياة ليست فوضى، بل ولها قوانينها وسننها المستقرة الثابتة، والإنسان يحتاج إلى الحكمة البالغة المنطلقة من تلك الواقعيات الحق، لكي يعيش فيها كما ينبغي، وهذه نجدها مبثوثة في كتاب الله، الحكمة البالغة العظمى، والنعمة الكبرى، والهدية الإلهية إلى الإنسان، وقد بلغها رسوله صلى الله عليه واله. فلماذا إذن هذا الضلال الذي تعيشه البشرية؟.
و الجواب: لأنها لم تؤمن به، ولم تطبق آياته. إنها وضعت بينها وبين تلك الحكمة حجب الإعراض والتبرير والتكذيب والهوى.
فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ كان يفترض أن تزجرهم عن الضلال والباطل فإذا بها تزيدهم طغيانا وكفرا، وكان ينبغي أن تبكيهم فإذا بهم يضحكون ويهزؤون، وجاءت لتذكرهم فإذا بهم يتوغلون في الغفلة. والقرآن يبين هذه الحقيقة في أواخر سورة النجم، ويستنكر على المكذبين واقعهم أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [النجم: ٥٩- ٦١].
[٦] وإذا وصل الإنسان إلى حد الإعراض عن الحكمة البالغة أوكله الله إلى نفسه، فلا تُرتجى له هداية بعد ذلك، وصرف عنه أولياءه، ليزداد إثما على إثم، ويتسافل دركا بعد درك، فيلقى جزاءه المريع الذي يقصر عنه خيال البشر.
ويأمر ربنا مكرراً أصحاب الرسالة بترك المعرضين عنها، ونتساءل: لماذا؟. إنما لحكمة بالغة تتمثل في أن الاستمرار في إنذارهم ومحاولة هدايتهم سوف يتسبب في ضياع وقت كثير
[١] بحارالأنوار: ج ٩٩، ص ١٠٤.