من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٣ - ولقد يسرنا القرآن للذكر
وآياته ومفرداته، ولكن كيف يحقق القرآن هذا الهدف؟ وكيف ينفذ إلى أعماق ضمير الإنسان وعقله، ويخترق حجب الهوى والغفلة والجهل التي تلوِّث فطرته، وتستر عقله عن الحق؟ لا بد أن يكون مُيسَّرا بعيدا عن العسر والتعقيد للأسباب التالية
أولًا: لأنه كلام الخالق العليم القدير إلى المخلوق الجاهل الضعيف، وليست ثمة نسبة بينهما في علم ولا منطق.
ثانياً: لأنه يحدث الإنسان عن حقائق كبرى في الحياة وفوق الحياة، بعضها يحسها ويراها والبعض الآخر يغيب عنه.
ثالثاً: لأن الله أراد لهذا الكتاب الصغير في حجمه الكبير في محتواه أن يكون تبيانا لكل شيء يهم الإنسان في حاضره ومستقبله، وفي دنياه وآخرته، ويرسم له مناهج الحياة في أبعادها المختلفة، في الشؤون الشخصية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية .. ولقد يسر ربنا القرآن إذ جعله عربيا مبينا، وأنزله في أرفع الأساليب البلاغية والنفسية والعقلية فإذا به الحكمة البالغة، والقصص القرآني التي تبلغ (٤٠%) من عموم آياته تقريبا هي من أبرز معالم منهجه في تيسير التذكرة، لذلك تجد الآية الكريمة وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ تتكرر في هذه السورة بعد كل قصة مباشرة، وهي قصص واقعية بتفاصيلها التي تعرَّض لها القرآن.
إذن لا نقص في كتاب ربنا سبحانه، ولا غموض، ولا يكلّف الإنسان أكثر من وسعه، بل هو ميسر، وإذا كان ثمة تزمت أو تعقيد عند بعض المؤمنين به فهو من عند أنفسهم، ولأن قلوبهم قد مُلئت بثقافات دخيلة؛ بأساطير الشعوب البدائية، بأفكار الجاهلية الوافدة، بالإسرائيليات المتلصصة إلى كتبهم، وبالعقد المتراكمة من جراء التخلف، وإذا لم يتذكر البشر به فلا حجة لهم.
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ والسعيد من صدَّق بالقرآن وتذكَّر به فتجنب العذاب.
[١٨- ٢٠] إن الله ضرب للبشر مثلًا من واقع المكذبين وعاقبتهم بقوم نوح عليه السلام، ولكن الأهم بيانه مصير أولئك الذين لم ينتفعوا بتجارب السابقين من الأقوام، تحذيراً للناس من تكذيب القرآن وعصيان الرسول صلى الله عليه واله. إن الله ترك قصص قوم نوح آية للاحقين، وكان بإمكان من بعدهم أن يتجنبوا غضب الله لو اعتبروا بها، ولكنهم كذبوا فحل بهم العذاب كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وعاد هم القوم الذين أرسل إليهم النبي هود عليه السلام فلما