من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٢ - الرحمن علم القرآن
يُخْسِرُونَ [المطففين: ١- ٣]، والتطفيف كما يظهر من الآية يناقض بالضبط إقامة الوزن بالقسط.
[١٠] والأرض هي الأخرى تجلٍّ لرحمة الله الشاملة، حيث خلقها ووفر فيها عوامل الحياة التي من شأنها أن تجعل عيش الإنسان عليها ممكنا بل طيبا، كالجاذبية والأكسجين والماء ومختلف أنواع الأكل، وكذلك وفر فيها الضوء والحرارة بقدر حاجة البشر.
وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ والقرآن يشير إلى معنى الوضع هنا في آية أخرى إذ يقول الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الزخرف: ١٠]، ولولا رحمة الله وتمهيده الأرض لنا لاستحال عيشنا على هذا الكوكب كما هو مستحيل على الأجرام الأخرى كالشمس والزهرة وغيرهما، وفي الآية فكرتان حضارية وشرعية نستفيدهما من كلمة وَضَعَهَا
الأولى: أن الله سخَّر الأرض عمليًّا للإنسان، وأعطاه الوسائل والقدرات العلمية والمادية يسميها القرآن سُبُلًا [النحل: ٥٣]، للانتفاع بها والهيمنة عليها من قمم الجبال الشاهقة إلى قعر المحيطات، فعليه أن يسعى لتسخيرها في مصلحته، وأي بقعة لم يسخرها الإنسان من الأرض، أو أي فرصة أو طاقة فإنما ظلم نفسه، وألحق بها خسارة وغراما، والتبصر بهذه الحقيقة يزيل عن البشر الانطواء والتردد والخشية من التقدم، وهكذا تحرِّض هذه الحقيقة الإنسان نحو المزيد من التقدم، وتفتح له آفاقا واسعة.
الثانية: ثم إن الآية تهدينا شرعاً إلى أن الإباحة هي الأصل في النعم حتى يدل الدليل على الحرمة، كما قال الله عز وجل قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢].
ولعل النصوص الشرعية لا تدل فقط على إباحة كل شيء للإنسان (إلا ما أقيمت الحجة على حرمته)، بل وأيضا على ضرورة الانتفاع بما في الأرض، مما يدل على أن تحريم الطيبات والجمود والانغلاق نوع من السَّفَه بل من الظلم للنفس.
قال تعالى هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود: ٦١]، وقال الإمام علي عليه السلام
«اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وبِلَادِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ البِقَاعِ والبَهَائِمِ»
[١]. وفِي احْتِجَاجِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام عَلَى عَاصِمِ بْنِ زِيَادٍ حِينَ لَبِسَ العَبَاءَ وتَرَكَ الملَاءَ (أي تصوَّف فتخلى عن الدنيا واعتزل الناس) وشَكَاهُ أَخُوهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَّهُ قَدْ غَمَّ أَهْلَهُ وأَحْزَنَ وُلْدَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام
عَلَيَّ بِعَاصِمِ بْنِ زِيَادٍ.
فَجِيءَ بِهِ فَلَمَّا رَآهُ عَبَسَ فِي وَجْهِهِ
[١] بحار الأنوار: ج ٣٢، ص ٧.