من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٤ - آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا
و الجواب
أولًا: إن الإيمان درجات فيصح أن يكون الخطاب للمؤمنين يدعوهم إلى درجة أرفع من الإيمان، والإنفاق المأمور به في الآية هو أحد درجات الإيمان، فليس كل المؤمنين منفقين.
ثانياً: إن الأمر بالإيمان والإنفاق قائم وملزم حتى لغير المؤمن، فإن كان مسلما لما يدخل الإيمان قلبه فدعوته لذلك جائزة، ولو افترضناه كافرا فهي قائمة وملزمة أيضا، فهذا رسول الله صلى الله عليه واله يدعو الكافرين والمشركين إلى التوحيد بما اشتهر عنه
«قُولُوا لَا إِلهَ إِلَّا اللهَ تُفْلِحُوا»
[١]، فلا يعني ذلك أن أمره صلى الله عليه واله قبيح، ولا أن دعوته غير ملزمة، فالأمر حينما يكون عقليًّا يلزم كل ذي عقل، وحينما يكون شرعيًّا يلزم كل من بلغته الحجة ولو لم يذعن، والدليل إلى ذلك توعد الله المخالفين لأوامره بالعذاب، والأمر بالإيمان- ومن ثم الإنفاق- يتسم بالعقلانية، كما هو مقتضى الشريعة.
وإذا كانت المعرفة مرتكز الإيمان فإن الإيمان مرتكز الإنفاق، إذ لا قيمة لإنفاق بغير إيمان، ولغير وجه الله، قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران: ١١٦- ١١٧]، والإيمان ليس يوجه الإنفاق إلى أهدافه الصحيحة، ويجعله ضمن منطلقاته ودوافعه المطلوبة وحسب، بل هو الذي يعطي الإنسان الإرادة والقدرة على تجاوز حرص النفس وشحها وسائر الضغوط والحوافز المعاكسة، فالمؤمن يعطي في سبيل الله لاعتقاده بأن ذلك يؤدي إلى النماء، وإلى الجنة، وإلى رضوان الله وهو الأهم، فلا يعتبر إنفاقه خسارة، بل هو ربح في الواقع والمستقبل، ثم هب أنه لم يحصل على نماء في الدنيا فإنه سوف يجد أجرا كريما في الآخرة.
ومن الحوافز الموضوعية إلى الإنفاق بالإضافة إلى الإيمان هو المعرفة الراسخة بأننا لا ننفق من عند أنفسنا، إنما ننفق من ملك الله الذي استخلفنا فيه، فلماذا الشح ما دام الأمر بالإنفاق هو المالك؟ لذلك يؤكد القرآن قائلا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ وقد قيل في مُسْتَخْلَفِينَ معنيان
الأول: أن الإنسان يأتي خلفا لسلف في الملك، فيكون المعنى: أنفقوا من قبل أن يستخلف الله أحدا غيركم بإماتتكم، أو نقل مالكم إليه.
[١] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٢٠٢.