من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٢ - وتناجوا بالبر والتقوى
كِتَابِ الله آيَةً مَا عَمِلَ بِهَا أَحَدٌ قَبْلي وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي، آيَةَ النَّجْوَى، كَانَ لِي دِينَارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَجَعَلْتُ أُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ نَجْوَةٍ أُنَاجِيهَا النَّبِيَّ صلى الله عليه واله دِرْهَماً، قَالَ: فَنَسَخَهَا في قَوْلِهِ
ءأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ
إلى قَوْلِهِ
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] [١].
[١٣] وحيث تفهَّم المعنيون خلفيات الحكم الإلهي بالصدقة قبل النجوى، وبالذات أولئك الذين يكثرون من التناجي مع النبي صلى الله عليه واله، والذين امتنعوا الآن عن ذلك بخلا، ولو كانت أحاديثهم التي يُسرون بها إليه صلى الله عليه واله ذات أهمية لما رجَّحوا الكف عنها وهم الأغنياء خشية تقديم الصدقات، نسخ الله برحمته ومنه حكم الضريبة، مما دل على أنه وضع لعلاج ظاهرة التناجي السلبي. ووجه القرآن عتابه للذين امتنعوا عن التناجي ذلك إشفاقا من تقديم الصدقة، أو تناجوا ولم يقدموا صدقة كما أمرهم الله، أو للذين لم يطيقوا ذلك بسبب الفقر وقلة المال ءأَشْفَقْتُمْ قالوا: الإشفاق الخوف من المكروه، فيكون معناه: هل شق عليكم إعطاء الصدقة قبل التناجي مع الرسول صلى الله عليه واله؟ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ولم يقل صدقة مما يدل على وجود فريق من المسلمين يكثرون التناجي مع النبي مما يستلزم الصدقات الكثيرة. وحيث إنه تعالى لا يعارض التناجي ذاته، لعلمه بضرورته وحقانيته من قبل المخلصين، وفي بعض موارده، رحم الذين لا يجدون، وتاب على الذين أشفقوا. فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مما يدل على تقصير لدى المعنيين بهذه الآية الكريمة. ومن مصاديق الرحمة هناك والتوبة هنا نسخ فريضة الصدقة عند النجوى، وبالتالي إرجاع المسلمين إلى واجباتهم الأولية، وأهمها الصلاة بوصفها رمزاً للجانب العبادي والروحي عند الإنسان المؤمن، والزكاة بوصفها رمزاً لتعبده الاقتصادي الاجتماعي، والطاعة لله وللرسول بوصفها رمزاً للالتزام السياسي في الحياة. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بتمام المعنى، إذ لا يقوم إلا الصحيح، وإقامة الصلاة فيما يعني انعكاسها على السلوك والالتزام بقيمها في سائر أبعاد الحياة. وَآتُوا الزَّكَاةَ تكافلا مع المعوزين، ودعما لاقتصاد المجتمع، وبالتالي تطهيرا للمجتمع من الآثار السلبية للعوز والحاجة، وتزكية للنفس من أعقد مشاكلها وهي الشح.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولعل في هذه الآية بدائل للمضامين السيئة في النجوى الحرام، فبإقامة الصلاة يتطهر الإنسان من الإثم، والزكاة (العلاقة الإيجابية مع المجتمع) بديل للعدوان عليه، والطاعة بديل لمعصية الرسول، فهناك نهي عن تلك، وهنا دعوة لنقائضها، كما أن الآية تفسير عملي لمعنى البر والتقوى وتقوى الله الواردة في الآية.
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ فإن التزم بالأمر الإلهي أثابه وجزاه خيرا في الدنيا والآخرة، وإلا عاقبه وعذبه.
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٥٧.