من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٠ - وتناجوا بالبر والتقوى
وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه واله ثُمَّ سَلَّمُوا عَلَى القَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ فَقَامُوا عَلَى أَرْجُلِهِمْ يَنْظُرُونَ إِلَى القَوْمِ فَلَمْ يَفْسَحُوا لَهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه واله فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يَا فُلَانُ، قُمْ يَا فُلَانُ، بِقَدْرِ النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَعُرِفَ الكَرَاهِيَةُ فِي وُجُوهِهِمْ وَقَالَ المُنَافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: أَ لَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ صَاحِبَكُمْ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ فَوَ الله مَا عَدَلَ عَلَى هَؤُلَاءِ إِنَّ قَوْماً أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ وَأَحَبُّوا القُرْبَ مِنْ نَبِيِّهِمْ فَأَقَامَهُمْ وَأَجْلَسَ مَنْ أَبْطَأَ عَنْهُ مَقَامَهُمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ] [١].
وفي كتاب الاحتجاج للطبرسي روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنه: [اتصل بأبي الحسن علي بن محمد العسكري عليه السلام أن رجلا من فقهاء شيعته كلَّم بعض النُّصَّاب فأفحمه بحجته حتى أبان عن فضيحته، فدخل على علي بن محمد عليه السلام وفي صدر مجلسه دست عظيم منصوب، وهو قاعد خارج الدست، وبحضرته خلق [كثير] من العلويين وبني هاشم، فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست، وأقبل عليه فاشتد ذلك على أولئك الأشراف فأما العلوية فَأَجَلُّوه عن العتاب، وأما الهاشميون فقال له شيخهم: يا بن رسول الله هكذا تُؤْثر عاميًّا على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين؟ فقال عليه السلام
إِيَّاكُمْ وَأَنْ تَكُونُوا مِنَ الَّذِيْنَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيْهِمْ
أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
أَتَرْضَونَ بِكِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ حَكَماً؟
قَالُوا: بَلَى؟ قَالَ
أَلَيْسَ اللهُ تَعَالَى يَقُولُ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
، فَلَمْ يَرْضَ لِلْعَالِمِ المُؤْمِنُ إِلَّا أَنْ يُرْفَعَ عَلَى المُؤْمِنِ غَيْرَ العَالِمِ، كَمَا لَمْ يَرْضَ لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا أَنْ يُرْفَعَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، أَخْبِرُونِي عَنْهُ أَقَالَ: يَرْفَعُ اللهُ الَّذِيْنَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ؟ أَوْ قَالَ: يَرْفَعُ اللهُ الَّذِيْنَ أُوتُوا شَرَفِ النَّسَبِ دَرَجَاتٍ؟ أَوَلَيْسَ قَالَ اللهُ
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ رَفْعِي لِهَذَا لِمَا رَفَعَهُ اللهُ إِنَّ كَسْرَ هَذَا لِفُلَانٍ النَّاصِبُ بِحُجَجِ الله الَّتِي عَلَّمَهُ إِيَّاهَا لَأَفْضَلُ لَهُ مِنْ كُلِّ شَرَفٍ في النَّسَبِ» [٢].
[١٢] وتعود الآيات إلى الحديث عن النجوى ولكن من زاوية أخرى، وهي النجوى مع رسول الله صلى الله عليه واله، لتأمر المؤمنين بدفع صدقة قبلها مؤكدة أن ذلك خير وأطهر لهم، يقول تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً. من أجل التعالي على الناس كان فريق من المسلمين يتخذون مواقع متقدمة في المجالس، ويشغلون صدرها القريب من الرسول، وكانوا يتظاهرون أنهم أقرب إليه من غيرهم، فكانوا يتناجون معه،
[١] بحارالأنوار: ج ١٧، ص ٢٤.
[٢] الاحتجاج: ج ٢، ص ٤٥٥.