من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٨ - وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
الجريمة، إلى حياة حافلة بالتقوى والكرامة! إنه حقًّا أهل، أن يأخذ بأيدينا إلى العلاج والسعادة والنصر، لو رجعنا إليه، وتفكرنا في آياته، وعملنا بمضامينها. سوف يحيل ذلنا عزة، وهزيمتنا نصرا، وقسوتنا خشوعا، وتخلفنا تقدما وحضارة، وبكلمة سوف يحوِّل موتنا حياة.
[١٨] ويعود القرآن بعد أن حذر المؤمنين من عاقبة النفاق يوم القيامة، ومن مصير أهل الكتاب في الدنيا ليؤكد أهمية الإنفاق ومعطياته ليتصل بما تقدم في الآيات: (٧- ١٠- ١١) وليكون طريقا لتطهير القلب وخشوعه كما قال ربنا خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: ١٠٣] ولنتخذه مقياسا للإيمان، فمتى ما تصدق المؤمنون وأنفقوا دل ذلك على صدقهم، ثم فاعليتهم بعد الجمود بسبب الانصراف إلى الدنيا، والذي ينتهي إلى قسوة القلب.
وبما أن الآيتين السابقتين جاءتا لتنتشلا بعض المؤمنين من هذا الدرك الذي يتوسط المؤمنين الصادقين، ودرك المنافقين، قبل أن يتسافلوا إلى الفسوق، حيث درك المنافقين الذين بخلوا بأموالهم، ولم ينفقوا في سبيل الله، قال تعالى وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ [التوبة: ٦٧]، حيث كان أحدهم يعاهد الله لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة: ٧٥- ٧٧]، فكان من الطبيعي إذن أن يُلحق الله بتلكما الآيتين دعوة إلى الإنفاق في سبيله إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ والصدقة هي ما يُصَدِّق به الإنسان ربه، فلأنه الذي أمر ووعد بالثواب ينبعث إلى الإنفاق، وسميت الصدقة صدقة لأنها تثبت صدق الإيمان بالعمل وتثبته، ولا تنحصر في إنفاق المال المستحب والواجب، إنما تشمل كل الأعمال الصالحة، وإن كان ظاهر السياق كما الكلمة يدلان على بذل المال، وفي الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه واله
«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ إِلَى غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ»
[١]، وقال
«إِمَاطَتُكَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ صَدَقَةٌ، وعِيَادَتُكَ المَرِيضَ صَدَقَةٌ، واتِّبَاعُكَ الجِنَازَةَ صَدَقَةٌ، وأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ ونَهْيُكَ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، ورَدُّكَ السَّلَامَ صَدَقَةٌ»
[٢]، ومن ذلك العام يخص الله القرض بالذكر، وإذا كان للقرض الاجتماعي الذي يستهدف رفع حاجات الناس ميزة على سائر الإنفاق، فإن الإنفاق في الجهاد أرفع درجة وأسمى، حيث يبدو أن التفريق بين الإنفاق قبل الفتح وبعده في القرآن إشارة إلى هذا النوع من الإنفاق، حيث إنه قبل الفتح يستهدف إقامة حكم الله، في حين يستهدف الإنفاق بعده بناء المجتمع.
[١] وسائل الشيعة: ج ٩ ص ٣٨١.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ٧، ص ٢٤٣.