من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٠ - وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
البشرية القديمة أو المعاصرة، بدلا عن شريعة الله، وبالذات أولئك الذين يقصدون العناد والجحود والمحاربة، فإنهم سوف يلقون جراء محاددتهم الإهانة والذل المركَّز الذي ينضغط في النفس حتى لتكاد تنفجر، أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [المجادلة: ٢٠].
كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ممن ساروا بسيرتهم تجاه ربهم ورسلهم. وفي اللغة: كبته لوجهه أي صرعه، وأهلكه وأخزاه، وأذله، يقال: كبت الله العدو أي أهانه وأذله ورده بغيظه، ويقال: كبت فلان غيظه في جوفه أي لم يخرجه. إذن فالعز والكرامة لا يأتيان بمخالفة حدود الله، لأن ذلك لا يورث إلا الذل والهوان في الدنيا نتيجة لاتباع النظم والقوانين الفاسدة والضالة، بما فيها من معطيات سلبية، وغضب الله وحربه، وفي الآخرة نتيجة عذابه المهين الذي قد ينزله عليهم بأيدي عباده المؤمنين.
وهذه الحقيقة ليست خيالًا ولا وهماً، بل هي واقع له شواهده في التاريخ والواقع، يهدي إليه العقل وتؤيده الآيات الواضحة وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ بالغة الحجة، ظاهرة الدلالة، تنذر الإنسان ذا اللب من محادة الله، وتهديه إلى ضرورة الإيمان به وبرسوله، فمن اتعظ بها انتفع وعزَّ ونجا من كبت الله، وإلا وقع في العذاب والذل وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ. والملاحظ أنه قال في الآية الماضية عَذَابٌ أَلِيمٌ وهذا يتناسب مع العقوبة التي هي موضوعها، في حين وصف العذاب هنا بأنه مهين، لأن من يحادون الله ورسوله يطلبون بذلك العزة لأنفسهم، والذل للحق واتباعه، وليس صفة أنسب في عذابهم من الإهانة والذل.
يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً للجزاء على أعمالهم، وقال جَمِيعاً لأنهم ربما تعاونوا على محادة الله والكفر، واغتروا بقوتهم وعددهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا من السيئات عبر الحساب، ومن خلال العذاب لأنه هو الآخر صورة حقيقية لما عملوا. كما أن إخباره تعالى لهم بأعمالهم يؤكده لهم شهادته على خلقه، وأنه أخبر وأبصر بالإنسان حتى من نفسه، لأنه معرض للنسيان أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وحينئذ ليس يتبين لهم صدق آيات الله، وخطأ أعمالهم ومسيرتهم في الحياة فقط، بل يصيرون من العلم على عين اليقين بأن الله شاهد على كل شيء، وأنه حين تركهم في الدنيا يفعلون ما يشاؤون من معصيته ومحادته فليس عن لغلبتهم إياه، وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم: ٤٢- ٤٣].
وإنما يذكر الله بيوم البعث وشهادته على كل شيء هنا لأن محادة الله ورسوله وعمل السيئات ينطلق في الأساس من الكفر بالآخرة والجزاء، ومن الاعتقاد بالقدرة على تبرير