من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٧ - ولقد يسرنا القرآن للذكر
منهم لا بد أن يوفروه لما هو أنفع، فعليهم إذن أن يبلغوا الرسالة إلى الحد الذي تقوم فيه الحجة على الآخرين، ويسقط عنهم الواجب، فإذا تبين لهم عدم نفعه وجب أن يتوجهوا إلى هداية غيرهم، وإلى تطبيق الرسالة على أنفسهم، وتكوين الكيان الرسالي المتكامل، أما متى يتولى الرسالي عن دعوة الآخرين؟ فإن تحديد ذلك يكون على ضوء البصائر الإلهية، والقيادة الرسالية تعرف ذلك.
وهناك حكمة أخرى لواجب الإعراض عمن يجحد آيات الله هي أنهم هم المحتاجون إلى الرسالة، والرسالة غنية عنهم، فلا داعي للإلحاح الزائد عليهم، أو تغيير بعض القيم وتطويعها وفق أهوائهم ليقبلوها، كما فعل بعض علماء النصارى حيث أدخلوا في دين الله ما ليس فيه مجاراة للسلطان أو للعوام من الناس حتى يستهويهم الدين، وكذلك فعل بعض الجهلة من الدعاة عند المسلمين حيث أضافوا إلى الدين ما يستهوي الطغاة أو رعاع الناس ابتغاء كسبهم، والله غني عنهم وعمن يدعونه بهذه السبل إلى دينه.
ولا ريب أن المؤمن حريص على هداية الناس، ويريد الخير لهم، فمن الصعب عليه أن يتركهم حصبا لجهنم، من أجل كل ذلك توالى الأمر بترك المعرضين في القرآن.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ اتركهم وشأنهم، وانتظر، وتقدير هذا الفعل أقرب إلى السياق من قول بعض المفسرين بأنه: واذكر يوم القيامة حيث يُدعى الداعي إلى شيء مكروه، ذلك لأن انتظار يوم البعث لفض الخلافات مسألة معروفة في آيات القرآن الكريم.
وقد لا يقتصر الأمر بالتولي على الدنيا وحدها بل يشمل الآخرة، حيث يأمر الرب نبيه بالإعراض عنهم وتركهم وهو صاحب الشفاعة الكبرى يوم القيامة، وحيث يلتمس الناس بأجمعهم حتى الرسل والأنبياء الشفاعة منه صلى الله عليه واله لأنها الصراط الأقرب إلى الجنة. جاء في الحديث عن سماعة بن مهران قال: قال أبو الحسن عليه السلام
«إِذَا كَانَ لَكَ يَاسَمَاعَةُ إِلَى الله عَزَّ وجَلَّ حَاجَةٌ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وعَلِيٍّ فَإِنَّ لَهُمَا عِنْدَكَ شَأْناً مِنَ الشَّأْنِ، وقَدْراً مِنَ القَدْرِ، فَبِحَقِّ ذَلِكَ الشَّأْنِ وبِحَقِّ ذَلِكَ القَدْرِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، وأَنْ تَفْعَلَ بِي كَذَا وكَذَا، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ لَمْ يَبْقَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَا مُؤْمِنٌ مُمْتَحَنٌ إِلَّا وهُوَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ»
[١] وعن الإمام الصادق عليه السلام
«مَا أَحَدٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ إِلَّا وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله يَوْمَ القِيَامَةِ»
[٢]، وكم تكون حاجة هؤلاء إلى الرسول في ذلك اليوم عظيمة! ولكن الله يأمره بالتولي عنهم جزاء لتوليهم وإعراضهم في الدنيا.
[١] الكافي: ج ٢، ص ٥٦٢.
[٢] بحار الأنوار: ج ٨، ص ٤٢.