من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٧ - الرحمن علم القرآن
الرحمة وتحقيقها. فالابتلاء في نهاية المطاف غايته تزكية الإنسان. ونظام العقوبات يحافظ على أمن المجتمع وهكذا.
[٢] إذن تعال نستمع معاً إلى الوحي وهو يعرفنا جانبا من رحمة الله، ويهدينا إلى تجليات اسم الرحمن في الخلق وفي أنفسنا قبل ذلك.
عَلَّمَ الْقُرْآنَ إن للرحمة الإلهية درجات، ولكن أعظمها بالنسبة للإنسان الهدى المتمثل في القرآن، فالخلق بحد ذاته رحمة وهي تسبق تعليم القرآن، إلا أن ذكره يأتي متأخرا، ذلك أن الهدى هو الهدف من الخلق، ولو لم يهد الله عباده إليه لانعدمت الحكمة من وجودهم وإيجادهم. أو لم يقل ربنا سبحانه وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ؟ [الذاريات: ٥٦].
والقرآن يهدي البشر إلى معرفة ربه، ولأنه لا يمكنه ذلك إذا كانت بينه وبين الله حجب الغفلة والجهل والذنوب، فإن القرآن يزكيه حتى يتجاوز تلك الحجب، وحتى شرائع الدين تهدف في النهاية تمهيد السبيل إلى معرفة الرب. كيف؟ لأن الإنسان لا يقدر على معرفة الرب ما دام يعيش في مجتمع فاسد منحرف عن سنن الحق لا يني يعتصره حتى يكون متوافقا معه، فكيف يتخلص من ضغوطه، ويتحدى فساده؟ هذا ما تضمنه تعاليم الدين، وكيف يبني مجتمعا فاضلا بديلا عنه؟ هذا ما تفصِّله أحكامه القيِّمة، وبالتالي كيف يتجنب عوامل الخطيئة حتى يعرف الله؟ هذا ما يتكفل به القرآن بهداه وبيناته، ببصائره ومفصلاته، بأحكامه وشرائعه؟ إنه يحقق بكل ذلك الحكمة من خلق الإنسان ألا وهي معرفة الله، التي هي بدورها تجلٍّ لرحمانيته تعالى؟ أليست معرفته عين الكمال، ومحض النعمة، ووسيلة الزلفى، وسبب تسخير الخليقة؟.
والسؤال: كيف علَّم الله القرآن للإنسان؟.
أولًا: بأن علمه رسوله صلى الله عليه واله وهو علمه للبشرية تبليغا وبيانا.
ثانياً: بأن القرآن تعبير صريح عن الحقائق التي أودعها الله في فطرة كل بشر، مما يجعل إيداعها بمثابة تعليم القرآن نفسه، مما يجعل دوره بالنسبة للحقائق دور المذكر بما ينطوي عليه وجدان الإنسان.
ويبدو أن حذف: مفعول التعليم الثاني فلم يفصح عمن علم القرآن كان لحكمة بالغة هي: أن جعل القرآن علما بحيث ينتفع به كل من شاء هو المناسب لرحمانية الله، كما قال ربنا سبحانه وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧].
[٣- ٤] وحينما نوجه نظرنا صوب الإنسان نفسه نراه بكله مظهراً لرحمة الله. إنه لم يكن