من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٢ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
عَزَّ وَجَلَّ ذُو بَرَكَةٍ وَهُوَ فَاعِلُ البَرَكَةِ وَخَالِقُهَا وَجَاعِلُهَا فِي خَلْقِهِ، وَتَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنِ الوَلَدِ وَالصَّاحِبَةُ وَالشَّرِيكُ وَعَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً] [١]، ولعله الاسم الذي يتصل بجانب الفعل الإلهي في الخلق، فهو مستمر ومتكامل ويزداد بركة، فهو إذن قريب من اسم الرَّحْمَنَ ولعلنا نستطيع القول بأن السورة ابتدأت بالجانب المعنوي لتبارك الرَّحْمَنَ وانتهت بالجانب الظاهر منه تَبَارَكَ.
كما يبدو أن الرَّحْمَنَ، و ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ من الأسماء الفرعية لتبارك، ومظهر له، وحينما نجاور الآية ٢٧ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ بهذه الآية، نهتدي إلى حقيقتين
الأولى: أن وجه الله هي أسماؤه، كالرحمن، والباقي، وذو الجلال والإكرام.
الثانية: أن أسماء الله منزهة كما ذاته تعالى. فهناك قال ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ يعني وجه الرب، وهنا قال ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ يعني ذات الرب، ولكن تنزيه الأسماء ليس ذاتيًّا إنما هو بالله، كما لا نعني بذلك أن أسماء الله هي ذاته .. كلا .. فقد قال الإمام أبو عبد الله عليه السلام
«اللهُ غَايَةُ مَنْ غَيَّاهُ فَالمُغَيَّا غَيْرُ الغَايَةِ، تَوَحَّدَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ مَحْدُودِيَّةٍ، فَالذَّاكِرُ الله غَيْرُ الله، وَاللهُ غَيْرُ أَسْمَاءٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ سِوَاهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ: العِزَّةُ لِلَّهِ العَظَمَةُ لِله، وَقَالَ
وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
وَقَالَ
قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
، فَالأَسْمَاءُ مُضَافَةٌ إِلَيْهِ وَهُوَ التَّوْحِيدُ الخَالِصُ» [٢].
والجلال اسم يحتوي على كل معاني العظمة والكبرياء، والإكرام يدل على كل معاني الجمال، فهو رحيم، حنان، غفور، منان، عطوف، عالم، قادر، وأسماء الرب أساسا تنقسم إلى نوعين: الأول: تُبيِّن أنه منزه عن النقص، والثاني: تبُيِّن جوانب الكمال.
وكلمة أخيرة: هناك علاقة بين سورة الرحمن التي تحدثنا عن ثلاث فئات من الناس (المجرمين أصحاب الجنتين الأوليين- وأصحاب الجنتين التاليتين) وبين سورة الواقعة التي تحدثنا أيضا عن ثلاث فئات هي (السابقون- أصحاب اليمين- أصحاب المشأمة)، وبالتدبر نكتشف أن المجرمين هم أصحاب المشأمة، والسابقون هم أصحاب الجنتين الأوليين، وأصحاب اليمين هم أصحاب الأخريين.
[١] بحار الأنوار: ج ٤، ص ٢٠٧.
[٢] التوحيد للصدوق: ص ٥٨.