من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٧ - هذا نزلهم يوم الدين
[سبأ: ٣٤]، وإنهم يجعلون النعمة قبلتهم فيتبعونها أنى كانت، وهي- بالطبع- تجرهم إلى ألوان من الظلم والانحراف والجريمة، كما قال تعالى وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود: ١١٦]، كما أنهم يعتمدون اعتماداً كليًّا على ما أترفوا فيه فلا يسعون لعمل الصالحات، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ: ٣٥]، بل ويزداد المترفون ضلالا وذنوبا، وبالتالي قربا من النار كلما ازدادت النعم عليهم، قال تعالى أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: ١٧٨]، ولا يعلم هؤلاء أن اعتمادهم على المال والقوة وسائر صنوف لنعمة كان خطأ إلا في الآخرة، حيث يغمرهم الندم ولا حيلة لهم يومئذ ولا هم ينصرون، قال تعالى وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة: ٢٥- ٢٩]، وفي صفة المترفين من أهل الدنيا قال الإمام علي عليه السلام
«سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ العَمَى وأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الهُدَى فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، واتَّخَذُوهَا رَبّاً، فَلَعِبَتْ بِهِمْ ولَعِبُوا بِهَا ونَسُوا مَا وَرَاءَهَا» [١].
و السؤال: لماذا يقول ربنا مُتْرَفِينَ بصيغة اسم المفعول، كأنما قد جرهم إلى الترف شخص آخر، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يعذبهم الله؟.
و الجواب: أن الله هو الذي ينعم على العبد، ولكن الإنسان هو الذي يختار أن يجعلها وسيلة يتسابق بها إلى الخير والفضيلة والرضوان، أو يصيِّرها سببا للتسافل والعذاب، وبتعبير آخر: إنه قادر أن يبتغي بالنعم إن شاء الدار الآخرة، وإن شاء الدنيا فيتبع هو بنفسه ما يترف فيه.
وكلمة أخيرة: إن المفسرين اختلفوا في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: المراد أنهم تنعموا بالحرام، وقال الآخرون: معنى المترفين المشركين، بيد أن كلمة المترف قد أصبحت علما لفئة معينة من الناس ذكر القرآن الكريم صفاتهم وأعمالهم، مما أخرج الكلمة عن وضعها اللغوي إلى وضع جديد فلا نحتاج فيها إلى تأويل.
ثانياً: الإصرار على الحنث. وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ الحنث: هو الميل إلى الباطل، وفي اليمين: لم يفٍ بموجبها [٢]، وهو من الذنوب الكبيرة، لذلك فسر البعض الكلمة بأنها الكبائر، وقال آخرون منهم ابن عباس: إنها اليمين الغموس، وعليه كثير من المفسرين المتقدمين والمتأخرين، ولعل الحنث هو مخالفة الميثاق عموما، ولكن بما أن أعظم ميثاق هو الذي
[١] نهج البلاغة: من وصية له عليه السلام لولده الإمام الحسن عليه السلام.
[٢] المنجد: مادة حنث.