من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٧ - له ملك السماوات والأرض
سبحانه وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، ويكفينا عقلا وحكمة أن نعترف بأن ما لا نحيط به علما قد يكون موجودا فلا نعادي ما نجهل.
ولسنا بحاجة إلى تأويل مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لينصرف إلى ما يعقل، وذلك لأنه يخالف ظاهر اللغة العربية التي اعتبرت مَا لغير العاقل، وما دام الوجود كله يسبح لله فإن عدم تسبيح الإنسان يعد تخلفا عن عهده التكويني الفطري مع ربه، وشذوذا عن واقع الكائنات.
إن من مشاكل البشر أنه ينبهر بالطبيعة أو بجانب منها، فإذا به يتخذ ما فيها إلها، ويغتر بما فيها من ظاهر الزينة والقوة والإبداع، ولو تدبر فيها مليًّا لعرف أنها هي الأخرى تسبح بحمد ربها، فكيف يتخذها شريكا لبارئها، بل وتتأذى الطبيعة حينما يعبدها أحد من دون الله، ففي الأخبار أن البقر نكست رؤوسها منذ عبدها الناس عندما أضلهم السامري، ولعله لذلك جاءت خاتمة الآية الكريمة تذكيرا بعزة الله وحكمته وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إنه كذلك سواء سبحه الخلق أو لم يسبحوه، فهو بذاته عزيز لا يزيده التسبيح عزا، وحكيم تتجلى حكمته في النظام الدقيق الذي فطر عليه خلقه وحكمه به، كما تتجلى في تدبيره لشؤونه المختلفة، وليس بحاجة إلى الاعتراف من قبلنا بحكمته سبحانه، كما لا تنصرف هاتان الصفتان إلى غيره لو اعتقدنا بألوهيته، ولعل الحكمة من بيان هاتين الصفتين أن الله لا يدبر الكائنات بقوته وحسب، بل بالحكمة أيضا، وأنه يحق للكائنات أن تُسبِّحه لأنه تعالى مهيمن عليها بالقوة والحكمة فهو أهل لذلك.
[٢] وتتصل الآيات ببعضها حتى الآية السادسة تعرفنا بربنا عز وجل من خلال صفاته وأسمائه وأفعاله التي تتجلى في الخليقة والتي تهدينا إلى أنه يجب علينا تسبيحه، وإنما يشرك الإنسان بربه لجهله به تعالى، أما إذا عرف عظمته وهيمنته المطلقة على الخليقة فسوف تنسف تلك المعرفة كل الأفكار والعقد الشركية لديه، إننا نشرك ببشر أمثالنا لأنهم أعطوا شيئا من الملك والقوة، ويحجبنا ذلك عن الإله الحق، بلى؛ إنهم قد يملكون رقعة من الأرض وبعضا من النعيم، أو يكون لهم سلطان على الناس، ولكن ذلك كله محدود، لا يصيرهم آلهة، ولا يقاس بما عند الله.
لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بما فيهما، وهو حقًّا ملك واسع مطلق وحقيقي، أما تملُّك الناس للأشياء فهو اعتباري محدود زمنا لأنهم يموتون عنها، ومحدود كَمّاً لأنه قليل جدًّا بالنسبة إلى ملك الله الذي ينضوي تحته كل الوجود، ومحدود كيفاً لأن قدرتهم على التصرف فيه محدودة، ولله الملك المطلق والقدرة اللامحدودة، والتي من مظاهرها الإحياء والإماتة يُحْيِي وَيُمِيتُ