من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٩ - له ملك السماوات والأرض
وأَمَّا البَاطِنُ فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِبْطَانِ لِلْأَشْيَاءِ بِأَنْ يَغُورَ فِيهَا ولَكِنْ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى اسْتِبْطَانِهِ لِلْأَشْيَاءِ عِلْماً وحِفْظاً وتَدْبِيراً، كَقَوْلِ القَائِلِ: أَبْطَنْتُهُ يَعْنِي خَبَّرْتُهُ وعَلِمْتُ مَكْتُومَ سِرِّهِ، والبَاطِنُ مِنَّا الغَائِبُ فِي الشَّيْءِ المُسْتَتِرُ وقَدْ جَمَعْنَا الاسْمَ واخْتَلَفَ المَعْنَى» [١].
وقال ابن أبي يعفور: [سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وقُلْتُ: أَمَّا الأَوَّلُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ وأَمَّا الآخِرُ فَبَيِّنْ لَنَا تَفْسِيرَهُ، فَقَال عليه السلام
إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا يَبِيدُ أَوْ يَتَغَيَّرُ أَوْ يَدْخُلُهُ التَّغَيُّرُ والزَّوَالُ أَوْ يَنْتَقِلُ مِنْ لَوْنٍ إِلَى لَوْنٍ ومِنْ هَيْئَةٍ إِلَى هَيْئَةٍ ومِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ ومِنْ زِيَادَةٍ إِلَى نُقْصَانٍ ومِنْ نُقْصَانٍ إِلَى زِيَادَةٍ إِلَّا رَبَّ العَالَمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ ولَا يَزَالُ بِحَالَةٍ وَاحِدَةٍ هُوَ الأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ الآخِرُ عَلَى مَا لَمْ يَزَلْ، ولَا تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ والأَسْمَاءُ كَمَا تَخْتَلِفُ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ تُرَاباً مَرَّةً ومَرَّةً لَحْماً ودَماً ومَرَّةً رُفَاتاً ورَمِيماً وكَالبُسْرِ الَّذِي يَكُونُ مَرَّةً بَلَحاً ومَرَّةً بُسْراً ومَرَّةً رُطَباً ومَرَّةً تَمْراً فَتَتَبَدَّلُ عَلَيْهِ الأَسْمَاءُ والصِّفَاتُ واللهُ جَلَّ وعَزَّ بِخِلَافِ ذَلِكَ» [٢].
[٤] هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فالخلق آية على عزته وقدرته، والتقدير فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ آية لعلمه وحكمته، ومرة أخرى نطرح هذا التساؤل: لماذا خلقهما في ستة أيام، وهو القادر على خلقهما في أقل من لحظة وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠]؟ قد سبق في سورة الأعراف [٣] أن ذلك قد يدل على سنة التكامل في الخليقة حيث يبارك الله فيها وينميها طورا فطورا، يوما فيوما، لحظة بلحظة، مما يجعل لعامل الزمن تأثيرا كبيرا في العالم، وبتعبير آخر: الأيام الستة هي ظرف المخلوق، ولا بد أن نعرف المخلوقات من خلال ظرفها الزمني حيث نستلهم ذلك من قوله سبحانه مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [الروم: ٨] مما يوحي بأن الأجل المسمى مساوق للحق في أنه جزء من حقيقته، والله العالم.
كما أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام أصدق دلالة وأوضح شهادة على التقدير والتدبير، وفي ذلك تفنيد لشبهة القائلين بالصدفة، فإن كان أصل الوجود صدفة فكيف يكون تدبير أمرها وتكميل مسيرتها صدفة؟! وبتعبير آخر: عملية الخلق مستمرة وهي شاهدة على الخالق سبحانه.
[١] الكافي: ج ١، ص ١٢٢.
[٢] الكافي: ج ١، ص ١١٥.
[٣] راجع تفسير الآية ٥٤ من سورة الأعراف في قوله تعالى إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.