من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٠ - له ملك السماوات والأرض
وربنا حيث خلق الخلق لم يعتزله أو يتركه سدى، إنما جعله تحت تدبيره ورعايته، بلى؛ لقد أركز فيه سننا وأنظمة حاكمة، بل وقدَّر فيه كل شيء من قبل أن يبرأه، ولكن كانت له اليد العليا والبداء، لحاجة الخلق إليه، ولأن كل شيء وحتى القوانين والسنن لا يقوم إلا به تعالى، وهكذا استوى على العرش ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وهو رمز القدرة والملك والتدبير، خلق من أنوار أربعة [١]، يحمله ثمانية من المقربين [٢]، وإليه يستوي الملائكة يتلقون أوامر الله لهم، واستواء الله عليه يعني سلطته، وأنه يهيمن على الخليقة ويدبرها، ولكن ليس تدبيراً اعتباطيًّا، بل حكيماً قائماً على أساس علمه بكل شيء يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، و مَا تدل على الإطلاق، أي كل شيء يلج في الأرض من الغيث والأشعة والمواد، وكذلك كل شيء يخرج منها من النبات، وكذلك كل شيء ينزل من السماء أو يصعد إليها من ملائكة الله وأعمال العباد.
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ في بر أو بحر، ظاهرين أو مستورين، كما قال أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: ٧] وربنا ليس فقط عليم بظاهر خلقه، بل هو بصير أيضا بباطنهم، ينفذ علمه إلى لطائف الأمور ومغيباتها وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يعلم ظاهر العمل، كما يبصر صاحبه، ويعلم الدوافع الحقيقية عنده، فقد يكون ظاهره الصلاح ولكن باطنه الرياء وحب الشهرة والمصلحة، ويكفي بهذه الآية أن تدفعنا إلى المزيد من العمل الصالح، والسعي نحو المزيد من الإخلاص والإنفاق، فإن مصائرنا رهينة أعمالنا، وناقد أعمالنا بصير بصير. نعم. قد نخدع الناس أو نخدع أنفسنا بمظاهرنا وحسن أعمالنا، ولكن هل نخدع الله؟! كلا ..
[٥- ٦] وهذه الآيات تعتبر تمهيدا للحديث عن الإنفاق، لانها تعرفنا ربنا عز وجل من خلال صفاته الحسنى، ومنها الغنى، فهو حيث يدعونا إلى الإنفاق فليس ليربح علينا بل لنربح عليه، إذ لا يزيده إنفاقنا شيئا.
لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فما عسى أن يزيد إنفاقنا في ملكه؟! بل إنفاقنا لا يكون إلا في جزء من ملكه استخلفنا فيه، فهو إما من الأرض، أو من السماء، والمالك الحقيقي هو الذي خلقهما، ثم إن ظاهر الأمور بأيدينا مما يوحي بأننا نملك ناصيتها، إلا أن واقعها بيد الله فإليه ترجع الأمور، وكم يدبر العبد أمرا ينقضه تدبير الله؟ وكم يُقدِّر شيئا يقيله منه أمر الله؟.
[١] الكافي: ج ١، ص ١٢٩.
[٢] قال تعالى وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: ١٧].