من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٤ - ويؤثرون على أنفسهم
أَنْتَ أَعْطَيْتَهُ مِنَ النِّصْفِ الآخَر» [١].
وقد حفل تاريخ صدر الإسلام بمصاديق رائعة للإيثار، أحدها إيثار الأنصار للمجاهدين على أنفسهم، والأخر أولئك النفر من مجاريح المؤمنين في اليرموك، الذين حُمِلَ إليهم الماء فكان واحدهم يؤثر إخوانه على نفسه رغم الظمأ الذي يحس به المحتضر حتى استشهدوا عن آخرهم عُطاشى [٢]، وقد روى أبو حمزة قال: [جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَشَكَا إِلَيْهِ الجُوعَ فَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله إِلَى أَزْوَاجِهِ فَقُلْنَ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ صلى الله عليه واله
مَنْ لِهَذَا الرَّجُلِ اللَّيْلَةَ؟
فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام
أَنَا يَا رَسُولَ الله،
فَأَتَى فَاطِمَةَ عليها السلام وسَأَلَهَا
مَا عِنْدَكِ يَا بِنْتَ رَسُولِ الله؟
فَقَالَتْ عليها السلام
مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، لَكِنَّا نُؤْثِرُ ضَيْفَنَا بِهِ،
فَقَالَ عليه السلام
يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ نَوِّمِي الصِّبْيَةَ وأَطْفِئِي المِصْبَاحَ» [٣].
هكذا ينبغي للمؤمنين وبالذات المجاهدين منهم أن يتساموا إلى هذا الخلق الرفيع في تعاملهم مع بعضهم، ولن يبلغوا ذلك حتى يتجاوزوا أصعب عقبة تربوية وعملية وحضارية، تغل الأفراد والتجمعات والأمم عن النهوض والارتفاع في آفاق التقدم والفضيلة وهي النفس، التي يعدها الإسلام (قرآنا وسنة) أعدى أعداء الإنسان، الذي إذا انتصر عليها صار إلى السعادة والفلاح وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ فبالقدر الذي يسعى الإنسان إلى المزيد من العلم، ينبغي أن يسعى بأضعافه إلى تزكية نفسه وكمال أخلاقه، وإنما اعتبر القرآن الوقاية من شح النفس هي الفلاح لأنه رأس كل خطيئة وانحراف في حياة البشر، فهو أساس الكفر والشرك والظلم والحسد و ..، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
«البُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ العُيُوبِ وهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ»
[٤]. وهل أنزل الله رسالاته وبعث رسله إلا ليخرج الإنسان من سجن شح النفس؟، وإن الشحيح لا يرى إلا ذاته، كما لا يرى المسجون إلا جدران زنزانته. ولكن ما هو السبيل إلى التحرر من هذه التهلكة؟، أنه التوكل على الله والاستعاذة من شر النفس الأمَّارة بالسوء، والانفتاح على هدى القرآن وبصائر السنة، وتقبل نصائح الواعظين، والتعبير القرآني بليغ للغاية إذ يقول يُوقَ مبني للمجهول، أي أن الله هو الذي يحرر الإنسان، وينقذه من ذلك.
ومشكلة الإنسان أنه يحسب السعادة تتمثل في اتباع الأهواء، وإشباع شح النفس، ولكنه لا يعلم أن ذلك يجعله عبدا ضعيفا لها. أليس محب الرئاسة يتبع هوى المنصب أنى اتجه،
[١] الكافي: ج ٢، ص ١٧١.
[٢] راجع تفسير ابن كثير: ج ٤، ص ٣٦٢.
[٣] وسائل الشيعة: ج ٩، ص ٤٦٢.
[٤] مستدرك الوسائل: ج ٧، ص ٧٩.