من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٤ - له الأسماء الحسنى
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وهكذا تُختم السورة بتسبيح الله كما افتتحت به، وبين تلك الفاتحة وهذه الخاتمة رفعت آياتها الكريمة أهل البصائر إلى آفاق المعرفة التي تتصل فيها معرفة المجتمع وما فيه من صراع بين الكفر والإيمان بمعرفة آفاق السماوات والأرض وما فيها من أسماء الله الحسنى.
ولهذه الآيات الثلاث الأخيرة من سورة الحشر فضل كثير حسب النصوص المأثورة. أوليست تهدينا إلى أسماء الله الحسنى التي بها خلق ربنا سبحانه السماوات والأرض، وبها صلح أمر الأولين والآخرين؟ فالنبي صلى الله عليه واله يُعظِّم شأن هذه الأسماء، التي لو قرأها المرء بتدبر ووعي، وجعلها وسيلة لدعاء ربه فإنها تصنع الكرامات.
روي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
«مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الحَشْرِ وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَ إِنْ مَاتَ ذَلِكَ اليَوْمَ مَاتَ شَهِيداً، وَ مَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ» [١].
ويجدر بنا أن نستمع في خاتمة هذه السورة الكريمة إلى قلب نابض بالتوحيد، تنساب من ثناياه معرفة الرب، ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام الذي انعكست عليه آيات الكتاب حتى انغمست نفسه في بحار المعرفة فقال
«لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينا»
[٢]. تعالوا نستمع إليه وهو يخطب في مسجد الكوفة فينبهر الناس من حسن صفته، فيقول
«الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَمُوتُ ولَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ لِأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ مِنْ إِحْدَاثِ بَدِيعٍ لَمْ يَكُنِ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ فِي العِزِّ مُشَارَكاً، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً، ولَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ شَبَحاً مَاثِلًا، ولَمْ تُدْرِكْهُ الأَبْصَارُ فَيَكُونَ بَعْدَ انْتِقَالِهَا حَائِلًا، الَّذِي لَيْسَتْ فِي أَوَّلِيَّتِهِ نِهَايَةٌ ولَا لآِخِرِيَّتِهِ حَدٌّ ولَا غَايَةٌ، الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ وَقْتٌ ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ زَمَانٌ، ولَا يَتَعَاوَرُهُ زِيَادَةٌ ولَا نُقْصَانٌ ولَا يُوصَفُ بِأَيْنٍ ولَا بِمَ ولَا مَكَانٍ، الَّذِي بَطَنَ مِنْ خَفِيَّاتِ الأُمُورِ وظَهَرَ فِي العُقُولِ بِمَا يُرَى فِي خَلْقِهِ مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ، الَّذِي سُئِلَت الأَنْبِيَاءُ عَنْهُ فَلَمْ تَصِفْهُ بِحَدٍّ ولَا بِبَعْضٍ، بَلْ وَصَفَتْهُ بِفِعَالِهِ ودَلَّتْ عَلَيْهِ بِآيَاتِهِ، لَا تَسْتَطِيعُ عُقُولُ المُتَفَكِّرِينَ جَحْدَهُ، لِأَنَّ مَنْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ فِطْرَتَهُ ومَا فِيهِنَّ ومَا بَيْنَهُنَّ وهُوَ الصَّانِعُ لَهُنَّ فَلَا مَدْفَعَ لِقُدْرَتِهِ، الَّذِي نَأَى مِنَ الخَلْقِ فَلَا شَيْءَ كَمِثْلِهِ، الَّذِي خَلَقَ خَلْقَهُ لِعِبَادَتِهِ وأَقْدَرَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا جَعَلَ فِيهِمْ وقَطَعَ عُذْرَهُمْ بِالحُجَجِ فَعَنْ بَيِّنَةٍ هَلَكَ، مَنْ هَلَكَ وبِمَنِّهِ نَجَا، مَنْ نَجَا ولِلَّهِ الفَضْلُ مُبْدِئاً ومُعِيداً، ثُمَّ إِنَّ اللهَ ولَهُ الحَمْدُ افْتَتَحَ الحَمْدَ لِنَفْسِهِ وخَتَمَ أَمْرَ
[١] بحار الأنوار: ج ٨٩، ص ٣٠٩.
[٢] غرر الحكم: حكمة ٢٠٨٦.