من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٣ - ليقوم الناس بالقسط
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ
فَصَارَتْ وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ وَ الكِتَابِ لِلْمُهْتَدِينَ دُونَ الفَاسِقِينَ.
أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ نُوحاً عليه السلام حِينَ سَأَلَ رَبَّهُ
فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ
وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَهُ أَنْ يُنْجِيَهُ وَأَهْلَهُ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ
يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ] [١].
[٢٧] في سورة الحديد التي اتسمت بصفة الروحانية المتسامية والتي جاءت شفاءً ناجعا لمرض القسوة التي تصيب القلوب الغافلة عن ذكر الله، في هذه السورة قرأنا آية الحديد التي حددت هدف الرسالة في إقامة القسط، ولم تستبعد الحديد وسيلة لتنفيذه. إنه حقًّا توازن حكيم بين التعالي في أفق الغيب والحضور الفاعل في أحداث الحياة.
ولذلك أيضا يتناول السياق قصة الرهبنة التي زاغت بالنصارى عن الطريق القويم، كما انحرف اليهود من قبلهم حين ابتلوا بالنظرة العنصرية. وإذا عالجت الآية السابقة وبإشارة خاطفة عنصرية اليهود وغيرهم فإن هذه الآية تبيِّن بوضوح خطأ الرهبانية، وتذكر كلتا الآيتين بأن الطريق القويم يتمثل في سنة الأنبياء الذين توالوا على البشرية برسالة واحدة تحددت معالمها مع الزمن، وأن الخط الواحد والمشترك الذي تهدي إليه سيرتهم جميعا هو الميزان في قياس الحق، وهو يتمثل في القرآن كما نقرأ ذلك في آيات لاحقة.
ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا واحدا بعد واحد يهدي بهم الله البشرية إلى خط نوح وإبراهيم كلما فسقت وضلت عنه، فهم يتبعون النهج ذاته، ويسعون إلى الأهداف ذاتها، وبالوسائل ذاتها (البينات، والكتاب والميزان، والحديد)، وهكذا ينبغي أن تكون الأجيال اللاحقة في الأمة مسؤولة عن مسيرتها، تقتفي أثر الرواد الصالحين، سيرا إلى الحضارة والتكامل ... وحيث تفصلها العصور والأجيال عن أولئك (النبي وأئمة الهدى) فإن الكتاب والإمام خير مقياس لمعرفة المنهج القويم. بلى؛ إن عودتها إلى الخط السليم، وبالذات في مجتمع ذهب بعيدا في الضلال والانحراف، سيضعها أمام تحديات صعبة، ولكنها الطريق الوحيد نحو الهدى والسعادة، والنجاة من الضلال والشقاء.
وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ والإنجيل لم يكن مغايرا لتلك الرسالات، إنما هو متضمن المفاهيم والقيم ذاتها، إلا أن العنصرية التي انحدر إليها بنو إسرائيل من قبل نزول الإنجيل، وما رافقها من النظرة المادية وقسوة القلب، كانت بحاجة إلى جرعات
[١] بحار الأنوار: ج ٢٥، ص ٢٢٠.