من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٧ - آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا
شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣]، وقالت فاطمة الزهراء عليها السلام تعكس محتوى هذه الآية وشبيهاتها
«ابْتَعَثَهُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِتْمَاماً لِأَمْرِهِ، وَ عَزِيمَةً عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ، فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا، عَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا، مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا، فَأَنَارَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله ظُلَمَهَا، وَكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَهَا، وَجَلَا عَنِ الأَبْصَارِ غُمَمَهَا، وَقَامَ فِي النَّاسِ بِالهِدَايَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الغَوَايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمَايَةِ، وَهَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ القَوِيمِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ،
وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ
، مُذْقَةَ الشَّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ، وَقَبْسَةَ العَجْلَانِ، وَمَوْطِئَ الأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَتَقْتَاتُونَ الوَرَقَ، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي» [١].
[١٠] فلماذا لا يتبع البشر الآيات ويطبقونها إذا كانت تخرجهم من الظلمات إلى النور؟ هل الظلمة خير من النور؟! أم العذاب خير من رأفة الله ورحمته؟!.
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كل نعمة هي أمانة بيد الإنسان، روحه وجسده وماله وكل شيء، ويأتي يوم تُسْتَرَدُّ هذه الأمانة منه لتعود إلى مالكها وهو الله، ليسأل كل واحد عن موقفه منها، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ [التكاثر: ٨]، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤]. ولماذا يمسك مال الله وأمانته دون أمره، أفلا يستحق بعدها الجزاء؟ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً [النساء: ٣٩]؟!.
وكما يختلف الإنفاق في سبيل الله عن الإنفاق لأغراض أخرى، بأن الأول مقبول مجزي عليه، والآخر مردود وربما معاقب بسببه، فإن الأول يتفاضل على بعضه أيضا، نظرا لمستوى إيمان صاحبه، وللظروف والمعطيات المحيطة به، فالذي ينفق قبل الفتح والانتصار لا شك أنه أعظم درجة وفضلا، وذلك لأسباب أهمها
١- سبقه إلى الحق والعمل الصالح، ولعل الكثير من اللاحقين إنما اهتدوا بسببه، فهو يصدق عليه حديث الرسول صلى الله عليه واله
«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ»
[٢]، كما أنه مصداق لقوله تعالى وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة: ١٠- ١١].
[١] بحار الأنوار: ج ٢٩، ص ٢٢٣.
[٢] الكافي: ج ٥، ص ٩.