من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٢ - فهل من مدكر
ولا يقدره لا لقلة علمه، أو ضعف شخصيته، وإنما لأن شكله لا يدعوه للاحترام، ولا يعلم أنه بذلك يستهين بقيمه العلم لا بالعالم نفسه، وعلاج هذه الحالة بإيجاد توازن داخل الإنسان بين نفسه القيم، وذلك بتصور العاقبة التي ينتهي إليها هذا الانحراف.
إن قوم صالح احتقروا الناقة، وظنوا أنهم أكبر من أن يقدِّروها، ويلتزموا بعهدهم مع النبي عليه السلام لشأنها، وبالرغم من تحذيره لهم تآمروا ورضوا بعقرها فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ قدار أو أحيمر، بعد تخطيطهم للمؤامرات، وكان أشقى القوم وأجرأهم على الحق، ولعل معنى المناداة ليس التنادي بالكلام فقط، وإنما أيضا بالرضا وعدم تحمل مسؤولية الدفاع عن الحق، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة أهل البغي والطغيان. قال الإمام علي عليه السلام
«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا والسَّخَطُ، وإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ
فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ
، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَّةِ المُحْمَاةِ فِي الأَرْضِ الخَوَّارَةِ» [١].
وكان هذا الفرد يعكس الشخصية الحقيقية لذلك المجتمع، إذ كان يعبر- بعمله- عن ضميرهم الفاسد، وعزمهم الخائر، وإرادتهم المشلولة، وفكرهم الضال، وغياب المؤسسات الإصلاحية بينهم، وهكذا حينما تحكم أي مجتمع أفكار سلبية فإنها تتجسد في قيادة ضالة طاغية، ونظام سياسي منحرف، وعاقبة سوأى لا تخص الظالمين أنفسهم بل تطال كل أبنائه، وربما أقدم الشقي على عقر الناقة للوصول إلى حاجة في نفسه هي الرئاسة، وقد دخل بعمله هذا في صفقة مع المترفين والمستكبرين مباشرة، ومع المجتمع بصورة غير مباشرة حيث رضوا عنه ولم يمنعوه.
فَتَعَاطَى لعل معناه أنه استعد للقيام بجريمته، وأخذ يتعاطى وسائلها، ويهيئ الأجواء لها، ونستوحي من هذه الكلمة أن الجريمة لم تمر بسرعة، وإنما احتاجت إلى التآمر، وهذه طبيعة أكثر الجرائم، أنها تسبقها إرهاصات تمهيدية تعطي الفرصة لأهل الحق بالتصدي لها، ولقد كان مجتمع ثمود قادرا على مقاومة قدار بعد أن شاهدوا إرهاصات الجريمة عنده، ولكنهم تركوه، فبدأ عدهم التنازلي نحو النهاية والعذاب، ووجد هو الفرصة سانحة لتنفيذ جريمته، والقرآن في موضع آخر يصور طبيعة المجرم وموقف المجتمع فيقول إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس: ١٢]، ولا ينبعث الإنسان إلا إذا كان نفسه متحفزا نحو ما ينبعث إليه، ولا يجد ما يمنعه من نفسه ولا من خارجها، وهذا حال الأشقى الذي ضرب عرقوب الناقة وقتلها فَعَقَرَ.
[٣٠- ٣١] ولم ينتبه هو ولا من حوله بأنه يبارز الله بعمله، فنزل العذاب بساحتهم،
[١] مستدرك الوسائل: ج ١٢، ص ١٠٨.