من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٧ - فهل من مدكر
فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ فكانوا يدافعون عن ضلالهم وباطلهم في مقابل الحق، استهزاء وجمودا، ويسعون إلى تغلب أفكارهم وباطلهم عن الحق المبين في أذهان بعضهم، وذلك بصرف الآيات وتأويلها إلى غير مضامينها، وهذا منهج المكذبين عبر التاريخ، فهاهم قوم عاد يدعوهم هود إلى الإيمان، فإذا بهم يصرون على باطلهم إلى آخر لحظة فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف: ٢٤- ٢٥]، وإلى مثل هذا انتهى انحراف قوم لوط وتكذيبهم ومراؤهم، فلقد أرسل الله إلى نبيه الملائكة ومن بينهم جبرائيل عليه السلام، ولكنه أنزلهم في صورة جميلة لتبدأ البطشة من محاولة الاعتداء عليهم فيتأكد للقوم أن هلاكهم كان نتيجة لذلك الانحراف الذي حذرهم من عواقبه لوط عليه السلام، وأنهم يأخذون بالجرم المشهود.
وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ يريدون بهم الفاحشة وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: ٧٨- ٨٠]، إنه حاول إصلاحهم في بادئ الأمر بتوجيههم إلى الجنس الآخر علاجا لانحرافهم، ورفعا للحرج مع الضيوف، ثم هددهم باستخدام القوة
«فَصَاحَ بِهِ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا لُوطُ دَعْهُمْ يَدْخُلُوا فَلَمَّا دَخَلُوا أَهْوَى جَبْرَئِيلُ عليه السلام بِإِصْبَعِهِ نَحْوَهُمْ فَذَهَبَتْ أَعْيُنُهُمْ» [١].
فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ قيل: إن الطمس هو حجب البصر مع وجود العين على طبيعتها، وقيل: إنه القلع والمسح، والذي يبدو أنه ذهاب الرؤية مع ضمور المعالم الظاهرية للعين، وعندما أنزل الله بهم العذاب ربما رفع قدرتهم على الإحساس إلى أقصاها تفاعلًا ووعيًّا زيادة في العذاب، إذ لا قيمة لعذاب لا يتذوقه صاحبه.
[٣٨- ٤٠] كان ذلك (طمس الأعين) عذاباً مؤقتاً، أما العذاب الأدهى والمستمر، الذي يتصل بالعذاب المقيم في الآخرة، فقد ابتدرهم أول الصباح وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ لقد كان عذاباً مستقراً لا يجدون منه فكاكاً لا في دنياهم ولا في الآخرة.
ويبدو أن كلمة مُسْتَقِرٌّ تفسير لقوله سبحانه في فاتحة السورة وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ، ومعناها أن عذاب أولئك القوم كان من السنن الثابتة والمستقرة في الحياة، ونجد
[١] الكافي: ج ٥، ص ٥٤٦٠، تفسير العياشي: ج ٢، ص ١٥٥.