من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٨ - إن هو إلا وحي يوحى
لقد تجلى الرب لحظة للجبل فجعله دكًّا، ولم يصبر قلب موسى ذلك النبي العظيم لرؤية الجبل الذي تدكدك بتجلي الرب فَخَرَّ صعقا، فيا ترى كيف صمد قلب محمد صلى الله عليه واله لنور ربه، وأي مقام سامٍ تعالى إليه نبينا الأكرم حتى كان قاب قوسين من ربه أو أدنى؟!.
ولم يحدد القرآن المسافة بالضبط، لعله لبيان حالة التصاعد والتنازل التي يتعرض لهما الإنسان في القرب والبعد من ربه، كما قال عن قوم يونس وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، ولكنه قال قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى في مقام الرسول لأنه في حالة تصاعدية من الإيمان لا تنازلية.
وكلمة أخيرة: قال تعالى قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى معبرا بهذه الوحدة القياسية العرفية عن قرب الرسول للدلالة على شدة القرب المعنوي من الله، ولتأكيد الفاصلة بين الخالق والمخلوق، وقد قالوا في قاب قوسين: أن القاب هو المسافة بين المقبض والسِّيَة.
[١٠] وهنالك حيث اقترب الرسول من ربه، وتهيَّأ من الجانبين، أوحى الله إليه أمرا أبهمه في النص ب- مَا دلالة على العظمة فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى قال علي بن إبراهيم رضي الله عنه: [وحي مشافهة] [١]، وقال الإمام الصادق عليه السلام لأبي بصير
«يَا أَبَا مُحَمَّدٍ واللهِ مَا جَاءَتْ وَلَايَةُ عَلِيٍّ عليه السلام مِنَ الأَرْضِ ولَكِنْ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ مُشَافَهَةً» [٢].
[١١- ١٢] وإذا كان الرسول رأى نور ربه بعينه لما دنا منه، فإنه رأى ربه ببصيرة الإيمان في وحيه المنزل عليه، ورؤية القلب أجلى وأصدق من رؤية البصر، بل إن هذه الرؤية القلبية كانت تأكيدا وتصديقا لما رآه بعينه من النور.
ولا يمكن أن يرى الإنسان ربه بعينه مشافهة، ولا بعقله لأنه هو الآخر نعمة محدودة من الله، إنما يرى ربه بربه من خلال تجليه في آيات الخلق والوحي، وفي الدعاء نقرأ إشارة إلى هذه الحقيقة عند قول الإمام عليه السلام
«يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجَانَسَةِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَجَلَّ عَنْ مُلَائَمَةِ كَيْفِيَّاتِهِ، يَا مَنْ قَرُبَ مِنْ خَطَرَاتِ الظُّنُونِ، وَبَعُدَ عَنْ لَحَظَاتِ العُيُونِ» [٣].
وقلب الإنسان حينما يرى شيئا فإنه لا يخطئ في رؤيته، ذلك أن وجدان الإنسان يصدِّق الحق.
مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى من الحق النازل عليه من عند الله، بل هو على يقين وقناعة راسخة،
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٣٤.
[٢] الكافي: ج ١ ص ٤٤٢.
[٣] بحارالأنوار: ج ٨٤، ص ٣٣٩، من دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام، كان يدعو به بعد ركعتي الفجر.