من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٦ - الإطار العام والسابقون السابقون أولئك المقربون
لا تحد، وسننه الحكيمة التي لا تتبدل، فإنه سيراها (حق اليقين). والإيمان بإرادة الله يأتي من التفكر في آيات قدرته المتجلية في النفس وفي الآفاق، فإن ذلك يهديه إلى عظمة ربه وتنزيهه عن العجز، والآيات (٥٧/ ٧٣) تثير العقل البشري بالحقائق وتجعل الشهود جسرا إلى الغيب.
ثالثاً: والقرآن الكريم هو الآية العظمى التي تهدي إلى كل حقيقة، بشرط أن يكون الإنسان عندما يتدبره ويؤول آياته طاهرا من كل دنس مادي (خبثا وحدثا)، ونفسي (مرضاً ونفاقاً)، وعقلي (ضلالةً وكفراً) وذلك لتجاوز الحجب التي تمنعه من لمس معانيه وتأويلاته العميقة الحقة، فإنه يرى بالفطرة السليمة، والعقل المتقد الحقيقة مكشوفا عنه غطاؤها، وبما أن مشكلة البشر ليست عقلية وحسب، بل هي نفسية أيضا فقد يسَّر الله هذه الحقيقة العظمى بالشواهد العقلية والوجدانية والواقعية، بأسلوب أدبي بليغ، ومنهج نفسي مؤثر تضمن الترغيب والترهيب، بما يقود كله إلى التسليم لها، تسليما واعيا وعميقا، يحمل صاحبه على المعادلة بين الحاضر والمستقبل، والسعي بجد وفاعلية للفوز في الآخرة، فإذا به وقد وقعت الواقعة مستعد للقاء ربه والفوز بالجنة مع المؤمنين السابقين، أو لا أقل مع أصحاب اليمين.
ولأن الموت هو الواقعة الصغرى لكل إنسان فرد، والحق الذي يحدد به مصيره، يتعرض له السياق في نهاية السورة بوصفه آية على الجزاء، ومعبراً إلى المصير والعلم اليقين بذلك الغيب الذي يُكذِّب به الضالون المكذبون.