من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٢ - إنا كل شيء خلقناه بقدر
مصير الماضين ممن سبقوه بالتكذيب في الدنيا والآخرة، ولن تغيِّر تمنياته وظنونه من الواقع شيئا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ [ص: ٢٧].
كيف يكذِّب الآخرون بالرسالة وهم يبصرون ما نزل بالغابرين عندما كذبوا بها؟! إنهم يستبعدون حلول العذاب بهم اعتمادا على واحد من أمرين
أولًا: الثقافة التبريرية، وأبرز مفرداتها على صعيد التكذيب بالرسالات العنصرية ونظرية الفداء، ذلك أن الإنسان حينما يكذِّب حقًّا ما ويرفضه يبحث داخليًّا أمام ضميره، وخارجيًّا أمام الآخرين، عن عذر يبرر له موقفه، ويستمد منه الشرعية لممارسة الخطأ أو الإصرار عليه.
وربنا ينسف هذه الثقافة فيقول- مخاطبا المعاصرين للإسلام-: لماذا تستثنون أنفسكم من العذاب الذي حل بتلك الأقوام؟.
أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ بعنصرهم وأعمالهم حتى لا ينالهم العذاب؟!.
أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أم هم يملكون كتابا من عند الله يبرِّئهم من سوء أعمالهم؟!.
كلا .. فالتكذيب هو التكذيب سواء صدر من أولئك أم منكم، والسنن الإلهية واحدة على مر الزمن لا تتحول ولا تتبدل، وليس عند الله قرابة مع خلقه، ولو كان نبيًّا مرسلًا أو مَلَكاً مقرَّباً، ولا ينفع إلا العمل الصالح، كما لم تسبق منه كلمة على لسان نبي ولا رسول وفي كتاب من كتبه المنزلة بزكاة أحد أبدا، حتى يتحصن بها ضد العذاب، والضلال الذي عليه كفار المجتمع أيام رسول الله صلى الله عليه واله ليس بأقل من ضلال أولئك، بل هو أسوأ وأبعد.
وإذا كانت ثمة براءة لأحد من كتب الله فهو ورسوله أعلم بها، والحال أنهما ينفيانها.
بلى؛ حاول النصارى تبرير انحرافهم بفكرة الفداء، ولكنهم أضافوا انحرافا جديدا إلى مسيرتهم الضالة إذ أصبحوا بها كفارا عند الله، وهكذا زعموا هم واليهود أنهم لا يعذبون مهما مارسوا من الذنوب، لأن عنصرهم يتصل بالله وينتمي إليه، ولكن القرآن رد عليهم هذه المزاعم ردا عنيفا وحازما، فقال تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [المائدة: ١٧- ١٨]، وانطلاقا