من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١١ - إنا كل شيء خلقناه بقدر
وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ إن الله لم يتركهم حتى يؤمنوا بأنفسهم، بل ابتدرهم بالهدى الذي بلغ فردا فردا منهم يوم الزينة، ولم يكتف الله بنذير واحد وهو يكفي حجة عليهم، إنما جاءهم بنذر كثيرة بيِّنة، كان من بينها تسع آيات إلى فرعون وقومه، ولكنهم كما يصفهم القرآن كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا لا لغموض فيها فقد كانت مبصرة، بل لمرض في قلوبهم، ولو أنك بحثت في أعماق نفوسهم لرأيت سلطان الآيات مهيمنا عليها، ويعلم الله كم تجرعوا من وخز الضمير الذي يدعوهم للإيمان وهم يصدون عن الحق المبين. إنهم ما كانوا يقدرون على التكذيب مجردا أمام ذلك الوخز لذلك لجؤوا إلى التبرير، وهذه من طبيعة الإنسان حينما يخالف الحق بالرغم من استيقانه به قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: ١٣- ١٤]، فكانوا عند الله يستحقون أشد العذاب، وكذلك فعل بهم فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ لا يقبل الجور على الحق مُقْتَدِرٍ لا يشكو ضعفاً ولا قصوراً، وهذا ما جعل عذابهم قاسياً، فمرة يكون العزيز غير مقتدر فهو لا يستطيع أن يحيل عزته فعلا، ومرة يكون المقتدر غير عزيز فهو لا يغضب لحرمة قيمه، وإذا أخذ المخالف له فإن أخذه يكون محدودا.
هكذا وبهاتين الآيتين القصيرتين في كلماتهما العميقتين في معناهما يوجز ربنا قصة قوم لا زالت آثارهم ظاهرة ومثيرة للعجب، في وقتٍ يحتاج الحديث فيها إلى مئات أو آلاف الصفحات، بل القرآن أراد نفسه تناولها في صفحات وآيات عديدة في مواضع أخرى، والسبب أن القرآن أراد من ذلك التأكيد على السنة الواحدة التي أجراها على كل الأمم وفي مختلف الأمصار بصور شتى، لكي نعتبر بها، ونبصر عواقب التكذيب بالحق أنى كان، وقد اكتفى السياق بإيجاز قصة فرعون التي فصَّلها في مختلف السور، والتي من المفروض أن يعرفها من يتلو الذكر، وذلك عبر آيتين تعكسان إعجاز القرآن البلاغي.
[٤٣- ٤٥] ومن شواهد عاقبة المكذبين في أغوار التاريخ، ينتقل بنا السياق إلى الحديث عن المجتمع المعاصر للرسالة الإسلامية وموقفهم من الرسالة، بما هو تأويل لقوله تعالى وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٣]، وقوله بلسان رسوله شعيب عليه السلام وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٩]؟ إن القصة القرآنية لا تأت للتسلية، إنما لتكشف للإنسان عن سنن الحياة من حوله، فتعطيه تارة إشارة خضراء ترغِّبه وتشوِّقه، وتضع بين يديه إشارة حمراء تنذره وترهبه تارة أخرى، وهو بين هذه وتلك يجب أن يشق طريقه نحو الحق والسعادة، أما إذا تفرج على وقائع التاريخ ومواعظه، أو استبعد عن نفسه الجزاء بفكرة تبريرية كالعنصرية والفداء، أو بالاعتماد على غرور النفس وظنونها وأهوائها، فسوف يجد نفسه وجها لوجه أمام