من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٩
فقال صلى الله عليه واله
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ لَسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً» [١].
إلا أن كثيراً من فقهاء الإسلام اعتبروا وجود الحكم الإسلامي والإمام العادل شرطاً لإقامة صلاة الجمعة، ولعل ذلك مرتكز على كونها من الشعائر الدينية السياسية التي ينبغي ألَّا ينتفع منها الظلمة في تضليل الناس وتمكين أنفسهم، فهي من أهم وأبرز المناسبات التي يجتمع فيها المسلمون، مما يسمح للطغاة- في حال عدم وجود حكم إسلامي عادل- اتخاذها منبراً جماهيريًّا لتضليل المجتمع، ونحن نقرأ في التاريخ كيف أصبحت خطبها- تحت ظلم حكومات جائرة- مركزا لحرب أولياء الله، كما فعل ذلك الحزب الأموي تجاه الإمام علي وأهل البيت، كما ترى اليوم كيف حول علماء السوء- تحت ظل الأنظمة الجائرة- خطبتي الجمعة بوقا من أبواق الطغاة إلى حد صاروا يتسلمون خطبهم من الحكومات نفسها، ويستلمون لذلك الأجر.
وهكذا جاء في الحديث المأثور عن علي عليه السلام أنه قال
«لَا يَصْلُحُ الحُكْمُ وَلَا الحُدُودُ وَلَا الجُمُعَةُ إِلَّا للإِمَامِ أَو منْ يُعَيِّنُهُ الإِمَامُ»
[٢]. وهكذا روى سماعة في موثقة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام عَنِ الصَّلَاةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ عليه السلام
«أَمَّا مَعَ الإِمَامِ فَرَكْعَتَانِ وأَمَّا مَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ فَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بِمَنْزِلَةِ الظُّهْرِ، يَعْنِي إِذَا كَانَ إِمَامٌ يَخْطُبُ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ يَخْطُبُ فَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً» [٣].
وفي خبر مأثور عن الإمام الرضا عليه السلام قال
«.... فَإِنْ قَالَ: فَلِمَ صَارَتْ صَلَاةُ الجُمُعَةِ، إِذَا كَانَتْ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ إِمَامٍ رَكْعَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ، قِيلَ: لِعِلَلٍ شَتَّى، مِنْهَا أَنَّ النَّاسَ يَتَخَطَّوْنَ إِلَى الجُمُعَةِ مِنْ بُعْدٍ فَأَحَبَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمْ لِمَوْضِعِ التَّعَبِ الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الإِمَامَ يَحْبِسُهُمْ لِلْخُطْبَةِ وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ لِلصَّلَاةِ، وَمَنِ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ فِي حُكْمِ التَّمَامِ، وَمِنْهَا أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الإِمَامِ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ لِعِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَعَدْلِهِ وَفَضْلِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الجُمُعَةَ عِيدٌ وَصَلَاةَ العِيدِ رَكْعَتَانِ، وَلَمْ تُقْصَرْ لِمَكَانِ الخُطْبَتَيْنِ، فَإِنْ قَالَ: فَلِمَ جُعِلَتِ الخُطْبَةُ؟.
قِيلَ: لِأَنَّ الجُمُعَةَ مَشْهَدٌ عَامٌّ فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ سَبَباً لِمَوْعِظَتِهِمْ وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الطَّاعَةِ وَتَرْهِيبِهِمْ مِنَ المَعْصِيَةِ وَتَوْفِيقِهِمْ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَصْلَحَةِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآفَاتِ وَمِنَ الأَهْوَالِ الَّتِي لَهُمْ فِيهَا المَضَرَّةُ وَالمَنْفَعَةُ، فَإِنْ قَالَ: فَلِمَ جُعِلَتْ خُطْبَتَيْنِ؟. قِيلَ: لِأَنْ يَكُونَ وَاحِدَةٌ لِلثَّنَاءِ وَالتَّمْجِيدِ وَالتَّقْدِيسِ لله عَزَّ وَجَلَّ وَالأُخْرَى لِلْحَوَائِجِ وَالإِعْذَارِ وَالإِنْذَارِ
[١] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ٥٩.
[٢] جواهر الكلام: ج ١١ ص ١٥٨.
[٣] الكافي: ج ٣، ص ٤٢١.