من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٥ - وتناجوا بالبر والتقوى
والآلَةِ، بَصِيرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ ولَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ» [١].
بهذه البصائر الإيمانية ينبغي أن نفهم أسماء الله، وبها نفسر كتاب الله، وبالذات قوله في هذه الآية رَابِعُهُمْ، سَادِسُهُمْ، مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا، بعيدا عن التصورات البشرية المحدودة والفلسفات الضالة المنحرفة، والعقائد الشركية.
ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يعزب عنه مثقال ذرة أبدا، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وهذه الآية تنطوي على تحذير للمنافقين والمتآمرين على الحق على مر التاريخ، كما أنها تُنمِّي عند المؤمنين روح الحذر والتقوى.
[٨] ولأن الله محيط بكل شيء علما فإنه لا يدع مكائدهم تلعب دورها المشؤوم في مسيرة الأمة، وإنما يبطلها بإرادته وعلى أيدي المؤمنين، ويفضحها بوسيلة أو بأخرى، كان يلقي أمرها روح المؤمنين. أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ إصرارا على مكائدهم المشؤومة، والتناجي هو الحديث على غير مسمع من الآخرين، وليست النجوى محرمة في الدين إلا إذا كانت مضامينها وآثارها لا ترضي الله عز وجل، أما إذا كانت تنطوي على الخير والصلاح فهي مباحة، بل قد تكون واجبة كما في عصر الطاغوت، باعتبارها تحفظ خطط المؤمنين، وأشخاصهم، وإمكاناتهم، بعيدة عن علمه وكيده وردَّات فعله، لذلك لم ينه الله الذين آمنوا عنها بل نهاهم من جهة عنها إذا كانت ذات مضامين سيئة، وأمرهم بها إذا كانت مضامينها إيجابية، ونهى المنافقين عنها لأنهم اتخذوها وسيلة لمحاربة الحق وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ هذه إشارة إلى ثلاثة أنواع من الذنوب المحرمة وهي
أولًا: المعاصي التي يخالف الإنسان بها الشريعة في سلوكه، كشرب الخمر، وأكل الحرام، والكذب والغش، والإدلاء بالأموال إلى الحكام الظلمة، قال تعالى اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: ١٢] أي ذنب، وقال وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً [النساء: ١١٢]، وقال وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء: ٤٨]، والإثم فعل ما لا يحل.
ثانياً: التجاوز على حرمات المجتمع والأمة، كالاعتداء على حقوق الناس وأموالهم وأعراضهم.
ثالثاً: شق عصا الطاعة للقيادة الرسالية التي يمثلها يومئذ الرسول الأعظم صلى الله عليه واله، وهي لا تزال معصيتها رغم تبدل مصاديقها في الواقع الاجتماعي معصية للنبي، لأنها امتداده
[١] نهج البلاغة: خطبة ١.