من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٦ - لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
أما لو انعكست الموازين لصالحهم فلن يدَّخروا جهدا في إبداء الحقد والعداوة.
وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ يعني بألوان الأذى المادي كالقتال والتنكيل، والمعنوي كالحرب الإعلامية، وقد نزلت هذه الآيات في المدينة بعدما قويت شوكة المؤمنين، لذلك يفترض تعالى تمكن المشركين منهم افتراضا، ويعزز صدق قوله عز وجل أنهم أخرجوا الرسول صلى الله عليه واله والمؤمنين من قبلُ من بلادهم مكة حيث كانوا أقوياء.
كما أن الأعداء لا يعترفون بأن المؤمنين أمة مميزة، بل تجدهم يسعون إلى إعادتهم إلى ربقة الكفر وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ هكذا يكشف الوحي طبيعة الأعداء، ولعلنا نستفيد من الآية أن موالاة الكفار ومودتهم تنطوي على خطر عظيم قد يقع فيه من يفعل ذلك وهو الكفر بالله سبحانه.
ثانياً: ثم إن المؤمن الحق هو الذي يعتبر الإيمان بالآخرة والتفكير فيها حجر الزاوية في سلوكه، والصراط المستقيم سَوَاءَ السَّبِيلِ هو أن يقدم الإنسان على ما ينفعه في الآخرة، وليس نفع المؤمن ولاؤه للكفار إذ تتلاشى يومئذ كل الروابط غير الإيمانية.
لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ وهم أقرب الناس إلى الإنسان فكيف بالآخرين؟ والسبب أنه لا تبقى صلة بين الناس لأنها مُتأسِّسة على الإيمان بالله واليوم الآخر، أما الأخرى المصلحية والعاطفية فهي محدودة وتنتهي عند حدودها.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وهنالك يتضح الانفصال الحقيقي بين المؤمنين والكافرين، وبين الأرحام، وبين الآباء والأولاد، ويحذر الله من طرف خفي من أن المناورة لا تنفع في الالتفاف على أحكامه وحكومته، كأن يود المؤمن أحدا من الكفار أو يتولاه ثم يبرر هذا الانحراف بأنه رحم أو ما أشبه وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
ثالثاً: إن سواء السبيل هو خط الأنبياء والذين آمنوا، وقد تبرؤوا من أعدائهم وعادوهم، وبغضوهم لوجه الله، وقد ضرب أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام والمؤمنون معه المثل الأعلى في هذا الجانب فأصبحوا خير أسوة على امتداد الزمن، فإنهم لم يقطعوا حبل المودة والولاء عن الأبعدين وحسب، بل قطعوها عن أقرب الناس إليهم وهم قومهم وأرحامهم وآباؤهم.
لقد كان إبراهيم عليه السلام يتيما يحتاج إلى الحماية الاجتماعية والاقتصادية، ولكنه لم يخضع لعمه آزر طمعا في شيء من ذلك، بل مضى قدما على نهجه الحنيف، فلم يتحدَّ الكفار اعتمادا عليه ولا على قومه، بل تحدى قومه بدءا من عمه، وتحدى كل الشرك بدءا من قومه، فأصبح