من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٤ - لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: ٢٢].
ولم يقتصر القرآن على بيان عداوة أولئك لله، بل أثبت عداوتهم للمؤمنين، مع أن المحور هو العداوة لله، وأن كل عدو له هو عدو للمؤمنين به، وذلك ليؤكد عداوتهم العملية والمباشرة لهم، والتي تظهر في مواقفهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية من المؤمنين، كإخراجهم الرسول صلى الله عليه واله والمؤمنين من بلادهم والمشار إليه في الآيات: (١، ٨، ٩)، فإن العدو لله عدو للمؤمنين، ولكنه قد لا يجد سبيلًا للتعبير عمليًّا عن عداوته لهم، إنما يحفظها ضغائن في صدره. والمؤمن قد يُلقي بالمودة للأعداء نتيجة العواطف أو الانهزام النفسي تجاههم، وسواء هذا أو ذاك فإنه نوع من الضعف النفسي الذي ينبغي التعالي عنه. ولعل الباء في قوله بِالْمَوَدَّةِ جاءت بمعاها الحقيقي على أن يكون المفعول لقوله تُلْقُونَ متروكا ليفيد الإطلاق، فلا يجوز إلقاء أي شيء بسبب المودة، فلا يجوز السلام بالمودة، ولا الكلام بالمودة، ولا التعاون بالمودة، ولا أي شيء آخر بالمودة، بلى؛ قد يجوز كل ذلك للضرورة أو المصلحة، وليس بالحب والمودة، والله العالم.
ولكن لماذا كل ذلك؟ للأسباب التالية
أولًا: الصراع المبدئي بينكم وبينهم.
وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِ فهم لا يعترفون بالأمة الإسلامية وحقها في الوجود، لأن الاعتراف بأي مجتمع يبدأ من الاعتراف بقيمه ومبادئه وقد كفروا بهما حينما كفروا بالرسالة الإلهية ولا ريب في أن هذا اللون من الكفر ينطوي على التحدي والعداء، بل هو استهزاء بمقدسات المؤمنين، فهل يصح بعدئذ للمؤمن أن يوادهم؟ كلا ..
ثانياً: محاربتهم للقيادة الرسالية وللمؤمنين، عداوة لله، وترجمة عملية لصراعهم مع الحق.
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إنهم لا يريدون إلا الباطل الذي يبرر وجودهم، ويوصلهم إلى شهواتهم، وهذا هو السبب لمحاربتهم المؤمنين، وليس ما تعكسه وسائل إعلامهم من ضلالات يبررون بها بغيهم وفسادهم، وليس بالضرورة أن يبادر الظلمة إلى اعتقال المؤمنين وطردهم من بلادهم مباشرة، إنما يصطنعون أجواء الكبت والإرهاب التي تضطرهم إلى الهجرة. وتسال: لماذا يلجأ الظلمة على مر التاريخ لإخراج المؤمنين من بلادهم؟ والجواب: لأنهم يخشون أن يستجيب المجتمع لمبادئهم الحقة، ويتبع قيادتهم، وينتمي إلى تجمعهم، وبالتالي يصيرون بديلا عن أنظمتهم الفاسدة وقيادتهم. ولا ينبغي للمؤمن الذي