من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٥ - الرحمن علم القرآن
بلى؛ إن نعم الله جاءت لكي تلبي حاجات الإنسان المادية والمعنوية، ولكن هدفها الأعظم أن يهتدي بها إلى المزيد من المعرفة بربه، وربنا في سورة النحل يقول وقد تعرض لذكر جانب من نعمه وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١٥- ١٨].
إذن فالأهم من الاهتداء بالسبل في الأرض وبالنجوم إلى معرفة الطرق والوصول إلى الأهداف المحدودة، والأهم من معرفة عدد النعم، أن يهتدي الإنسان بذلك كله إلى ربه عز وجل. وكم يكون البشر ظلوماً وجهولًا إذا أشرك بربه أو كفر به وهو في هذه البحبوحة من النعم؟! ولك أن تدرك مدى ضلال أولئك الذين أنكروا على الله أظهر أسمائه إذ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ؟!، وأنا وأنت قد لا نقول ذلك، ولا نُكذِّب بآلاء الله بألسنتنا، ولكننا كثيراً ما نكذب بها بأعمالنا وسلوكنا، وبغفلتنا عن الشكر.
الخليقة كلها تجليات لرحمة الله، فهي وجهه وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]، ولكن الإنسان حينما يضل ليس فقط لا يهتدي بالآثار إلى معرفة رحمة ربه وشكره، بل ويتخذ النعم مطية للمزيد من التكذيب، فإذا أصبح غنيا ووجب عليه الشكر تراه يبطر معيشته، ويزداد ترفا وفسادا في الأرض، أو حين يَمُنُّ عليه بالملك تراه يستعلي على الناس ويطغى ويستبد، ولعلنا نجد إشارة إلى ذلك عند قوله فَبِأَيِّ آلاءِ إذا اعتبرنا الباء سببية.
إن الحياة وهي وجه الله بكل مفرداتها السلبية والإيجابية تدعونا إلى الإيمان بالله، والتصديق بآياته، والتسليم بالطاعة لأوامره، فما هو تبريرنا ونحن نكذب بآلائه؟! لماذا ندخل في سجن ذواتنا أكثر فأكثر عند كل نعمة، بدل أن ننطلق منها إلى آفاق الإيمان بربنا وربها عز وجل؟! إننا عوض ذلك يجب أن نقول كلما تذكرنا النعمة، وكلما انتفعنا بها، بل وكلما قرأنا آية تذكرنا بآلاء ربنا، ومن بينها وأهمها الآية الكريمة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، يجب أن نقول: لا بشيء من آلائك ربنا نكذب، وذلك زيادة في الهدى والشكر والفضل من الله، ولا ريب في أن هدف الإمام الصادق عليه السلام من هذه العبارة ليس مجرد الكلام، فالأهم من تصديق اللسان بالنعمة هو تصديق القلب والجوارح، فالذي يُصدِّق بآلاء الله هو الذي يؤدي واجب الشكر له عز وجل،
«لَا يَعْرِفُ النِّعْمَةَ إِلَّا الشَّاكِرُ وَلَا يَشْكُرُ النِّعْمَةَ إِلَّا العَارِف»
[١] كما قال الإمام العسكري عليه السلام. والشاكر كما يقول الإمام الهادي عليه السلام
«الشَّاكِرُ أَسْعَدُ بِالشُّكْرِ مِنْهُ بِالنِّعْمَةِ
[١] بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ٣٧٨.