من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤١ - يقاتلون في سبيله صفا
[٥] إن شرط الانتصار أن يكون القتال صفًّا واحداً، وشرط الصف أن يكون القتال تحت راية القيادة الرسالية، وإنما يكون للقيادة اعتبارها العملي حينما يسلم لها المجتمع، لذلك فإن أعظم ما يمكن أن يلحق القيادة من الأذى هو عدم الطاعة لها، وهذا ما لقيه نبي الله موسى من قومه، وهم يعلمون أن نبيهم هو صاحب الولاية الشرعية من عند الله سبحانه وأن طاعته مفروضة عليهم.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ وهذا التناقض بين علم بني إسرائيل بضرورة التسليم للرسول، وبين موقفهم الفعلي حيث العصيان والأذى، هو صورة للازدواجية التي يمقتها الله عز وجل وقد حذر الله المسلمين منها، ولعل أوضح صورة لها تتمثل في قصة البقرة. وقد حذرهم موسى عليه السلام من عواقب هذا الانحراف لكنهم أصروا واستمروا فسلبهم الله الهدى.
فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وهذه نتيجة طبيعية لعصيان القيادة الرسالية، ذلك أن هدى الله يتجلى للناس عبر أوليائه والذي يحاربهم أو لا يسلم لهم لن يهديه الله أبدا. وإزاغة القلب تعكس مدى الضلال الذي وقعوا فيه، فهم في بادئ الأمر آذوه ولكن بقي في قلبهم علم بكونه رسول الله، أي أن سلوكهم العملي منحرف وهم على شيء من الهدى معنويَّا، ولكنهم حينما أصروا على الزيغ سلبهم الله تمام الهدى، وانطفأت البقية الباقية من شعلة الإيمان في قلوبهم، فصاروا كليًّا على الضلال والفسق.
[٦] ويؤكد القرآن حقيقة الخط الواحد في رسالات الأنبياء على لسان نبي الله عيسى بن مريم عليهما السلام، الذي أعلن لبني إسرائيل أنه يشكل امتدادا لرسالات الأنبياء، فقد سبقه موسى وسوف يلحقه محمد صلى الله عليه واله، فهم صف واحد. وهكذا ينبغي أن تلتحم مسيرة المؤمنين بهم، ويجتمعوا تحت راية النبوة وقيادة من يحمل تلك الراية.
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ إذن ليس هناك أي تناقض بين الرسالات والقيادات الإلهية، إنما يكمل بعضها بعضا، فعيسى عليه السلام مصداق للقيم التي جاءت بها التوراة، ورسالته مصدقة لها، ولكن لا تعني التوراة تلك التي بين أيدي الناس اليوم فإنها محرَّفة، وقد لعبت بها أهواء اليهود الذين سرَّبوا إليها الثقافة العنصرية.
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وأحمد على صيغة أفعل فهو أحمد لله من سواه، قالوا: الأنبياء كلهم حامدون لله، ونبينا محمد أكثرهم حمدا، وقد نقلت الكلمة من صيغة (أفعل للتفضيل) إلى الاسم.
وبالرغم من أن يد التحريف امتدت إلى العهدين المقدسين عند اليهود والنصارى إلا أن