من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٩ - لا تتولوا قوما غضب الله عليهم
الثالث: إن معنى التعاقب فَعَاقَبْتُمْ أراد الذي فاتت زوجته النكاح مجدداً، وفي ذلك جاء الحديث المأثور عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام فيما رواه يونس عن أصحابه، قال: [سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ لَحِقَتِ امْرَأَتُهُ بِالكُفَّارِ وقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا، مَا مَعْنَى العُقُوبَةِ هَاهُنَا؟. قَالَعليه السلام
أَنْ يُعَقِّبَ الَّذِي ذَهَبَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى امْرَأَةٍ غَيْرِهَا يَعْنِي يَتَزَوَّجُهَا بِعَقِبٍ، فَإِذَا هُوَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً أُخْرَى غَيْرَهَا فَإِنَّ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَهْرَهَا مَهْرَ امْرَأَتِهِ الذَّاهِبَةِ،
قُلْتُ: فَكَيْفَ صَارَ المُؤْمِنُونَ يَرُدُّونَ عَلَى زَوْجِهَا بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُمْ فِي ذَهَابِهَا وعَلَى المُؤْمِنِينَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَى زَوْجِهَا مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِمَّا يُصِيبُ المُؤْمِنُونَ؟، قَالَ عليه السلام
يَرُدُّ الإِمَامُ عَلَيْهِ أَصَابُوا مِنَ الكُفَّارِ أَوْ لَمْ يُصِيبُوا لِأَنَّ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يُجِيزَ جَمَاعَةً مِنْ تَحْتِ يَدِهِ» [١].
وسواءً كان معنى (عاقبتم) حصلتم على الغنيمة عبر تعاقب الحرب مع الكفار، أو التقاضي من الكفار وعدم إعطائهم المهر، عقابا لهم لأنهم لم يدفعوا المهر، أو إرادة الزواج المجدِّد (زواجه الأول)، أقول: سواءً كان المعنى واحدا من الثلاثة فإن الذي فاتته زوجته إلى الكفار يحصل على مهره من بيت المال، وقد نقل المفسرون: [أن النبي دفع لستة من المسلمين مهر أزواجهن اللائي عدن إلى الكفار] [٢].
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ من أن يدعي أحد بأنه أنفق على زوجته أكثر مما أنفق بالفعل لكي يستغل هذا القانون استغلالًا سلبيًّا، أو أن يستهين النظام الإسلامي بحقوق هذا الفريق فلا يؤتيهم ما أنفقوا، كما يأتي التأكيد على التقوى باعتباره المرتكز في التكافل الاجتماعي، فكلما كانت التقوى عميقة أصبح التكافل أكثر وأعمق.
[١٢] وفي سياق حديث السورة عن الولاء وعن أن الولاء المبدئي أعظم من الولاء للزوج أو الأرحام يبين السياق استقلالية المرأة في مبايعتها واختيارها للقيادة، فهي ليست كما يتصور بعض الرجال أو كما تظن بعض النساء تابعة للرجل في كل شيء، كلا .. إنها يحق لها بل يجب عليها أن تختار قيادتها بنفسها، وأن تظهر الولاء وتنشئ عقد الطاعة بينها وبين قيادتها، وهنا تشير الآية إلى أهم مفردات عقد البيعة مع القيادة الرسالية من قبل المرأة، والواجب التزامها بها.
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً فلا يخضعن لسيادة غير السيادة الإلهية بالتسليم المطلق للأزواج والأقارب، إنما يجب أن يخلصن الولاء
[١] بحارالأنوار: ج ١٠١، ص ١٥.
[٢] راجع تفسير القرطبي: ج ١٨ ص ٧٠.