من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٢ - ولمن خاف مقام ربه جنتان
تقاته، فأحسنوا بذلك في الدنيا .. لقد أحسنوا التصرف في نعم الله وآلائه كلها، فكان من إحسانهم بذلهم إياها للآخرين. إنهم أدركوا بعمق معنى الخوف من مقام ربهم، فلم يجعلوه محدودا بقلوبهم، بل جعلوه برنامجا متكاملا لحياتهم، وإذا بهم يفيضون فاعلية وعطاء وتضحية، فتراهم يبذلون كل ما يملكون، اتقاء غضب الله، وطمعا في رضاه وثوابه، ولن تذهب أعمالهم سدى، ولو كان بمقدار حبة من خردل خيرا يأتي به الله ليجزي عليه صاحبه إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: ١٢٠]، إنما يحفظه وينميه وينمي به خير فاعله، ويرده عليه في الدنيا والآخرة يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: ٢٧٦]، ولقد فطر الله الحياة بهذه السُّنة، أن الإنسان يحصد ما يزرع، فإن زرع خيراً حصد الخير، وإن زرع الشر لا يحصد إلا الشر هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ إنها حقيقة فطرية يشهد بها الجميع: أن الإحسان لا يكافأ إلا بالإحسان وتتجلى هذه الحقيقة في أبهى صورها في الجنة، وهكذا القرآن يستثير في البشر ركائز فطرتهم ليستشهد بها على أنفسهم بما جبلوا عليه، وتعارفوا فيما بينهم به.
يروى عن علي بن سالم أنه قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام يَقُولُ
«آيَةٌ فِي كِتَابِ الله مُسَجَّلَةٌ
، قُلْتُ: مَا هِيَ؟. قَالَ عليه السلام
قَوْلُ الله تَعَالَى
هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ
جَرَتْ فِي الكَافِرِ وَالمُؤْمِنِ وَالبَرِّ وَالفَاجِرِ، وَمَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِهِ، وَلَيْسَ المُكَافَاةَ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صُنِعَ حَتَّى تُرْبِيَ، فَإِنْ صَنَعْتَ كَمَا صُنِعَ كَانَ لَهُ الفَضْلُ بِالِابْتِدَاءِ» [١].
وجاء في حديث مأثور عن النبي صلى الله عليه واله- في تأويل الآية-
«مَا جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الجَنَّة» [٢].
[٦١] وتنعكس هذه الآية على سلوك المؤمن فيتخذ آلاء ربه المسبغة عليه سُلَّماً إلى الكمال الروحي، وبناء المجتمع، وسببا إلى نيل رضوان الله، وليست وسيلة إلى التكذيب به تعالى كما يفعل الكثير من الجن والإنس.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ أوليس قد أحسن الله إليهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فكذبوا بآلائه؟! ولماذا نبخل على الآخرين؟! وما يدريك لعل الله يقطع إحسانه عنا إذا تركنا الإحسان إلى الناس، أَوَليس لله ملكان يناديان كل ليلة جمعة
«اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفاً وأَعْطِ كُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفاً»
[٣] فعلام البخل إذن؟! كما أن في داخلهم إحساسا عميقا بأنهم لا
[١] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١٠٥.
[٢] التوحيد للصدوق: ص ٢٢.
[٣] الكافي: ج ٤، ص ٦٧.