من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٣ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
أهلك الله الأولين منهم فقط، كما تكشف لنا هذه الكلمة مدى تشبث ثمود بالحياة، حيث سعوا للبقاء بكل ما أوتوا من القوة ولكنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا حينما حل بهم غضب الرب.
[٥٢] وقبل هؤلاء وأولئك كان قوم نوح عليه السلام طعمة للهلاك وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى لأنهم أول الأقوام كفرا بالله وعصيانا للأنبياء، ولأنهم أصروا على ضلالهم واستكبروا على الحق جيلا بعد جيل بالرغم من (٩٥٠) عاما من التبليغ المبين والمستمر للرسالة من قبل نوح عليه السلام.
وقد سبقوا الأقوام ظلما لأنهم تحرروا من كل القيم الدينية والإنسانية، وطغيانا لأنهم ملكوا من الإمكانات الشيء الكثير واستخدموا كل ذلك ضد الرسالة والرسول. وبالرغم من ذلك أهلكهم الله ولم يحجز العذاب عنهم شيء أبدا.
[٥٣- ٥٤] وهناك قوم لوط عليه السلام الذين أسرفوا في الشذوذ الجنسي، فحل بهم غضب الله، وذلك بأن حمل قراهم جبرائيل بطرف جناحه ورفعهم ثم أهوى بهم.
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى قال العلامة الطبرسي في مجمع البيان: [والمؤتفكة المنقلبة وهي التي صار أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها، ومنه: أهوى بيده ليأخذ كذا وهوى يهوي نزل في الهواء، فأما إذا نزل في سلم أو درج فلا يقال أهوى ولا هوى] [١]، وحيث حل أجلهم عمَّهم العذاب المهول من كل صوب.
فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى أصحيح أن الله يعذبنا بنار جهنم تلك النقمة الكبرى التي لا تحتملها السماوات والأرض والجبال. أوليس ربنا الرحمن الذي تجلت في كل شيء آيات رحمته الواسعة. يتساءل البعض ويقول: لا .. أنا لا أصدق أن الله يعذبني ولم أعهد منه في الدنيا إلا كل نعمة؟. بلى وهذه شواهد تعذيبه في الدنيا للأمم التي ناهضت الحق وتحدت رسله. إن الله واسع الرحمة ولكنه أيضا شديد العذاب.
ولعله لذلك يذكرنا الرب، بين الفينة والأخرى بعذابه العظيم الذي حل بالأمم السابقة حتى ينقض الشك باليقين أن وعيد الله العاصين بالعذاب ليس ضربا من الوهم والتخويف المجرد بل هو واقع وقد حدث فعلا يشهد بذلك التاريخ البشري وما تقدم بعض شواهده.
[٥٥] إن عِبَر التاريخ المرعبة هي من الآيات الإلهية الجديرة بأن ترفع حجب الشك والمراء عن قلب الإنسان الذي يتفكر فيها ويتبع هداها.
[١] مجمع البيان: ج ٩، ص ٢٣٢.