من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٢ - أم للإنسان ما تمنى
ففي الدرس السابق بيَّن القرآن وبوضوح كاف أن الوحي رؤية مباشرة وحضور النبي صلى الله عليه واله عند الله بديء كل حق وبديع كل واقع سبحانه، وكذلك شهوده الواعي للمَلَك المنزل من عنده وهو جبرائيل عليه السلام ووعيه وعرفانه لآيات الله، وبالتالي فإن مسافة لا متناهية تفصل بين واقع الحضور والشهود والعلم عند الرسول وبين الأهواء والظنون عند أولئك الكفار.
وهنا يلج السياق في الحديث المفصل ببيان الضلالات التي وقع فيها المشركون بابتعادهم عن الهدى، واعتقادهم بالأصنام ليس عن قناعة، بل لأنهم أرادوا منها الشفاعة، والفرار من المسؤولية، والآيات تنسف هذا الضلال بالتأكيد على أن الملائكة مع كرامتهم عند الله لا يملكون الشفاعة إلا من بعد إذنه ورضاه، فكيف بهذه الأصنام الحجرية التي لا تبصر ولا تسمع، ولا تنفع ولا تضر، بل يستوجب الاعتقاد بها الغضب والعذاب؟!. إنهم يتمنون ذلك ويزعمون، والظن لا يغني من الحق شيئا، إذ ليس في هذا العالم إلا الحق، وإنما الحق أن يبلغ الإنسان ما يسعى إليه.
بينات من الآيات
[١٩- ٢٠] الجهل أرضية أكثر العقائد الفاسدة، فلأن المشركين لم يعرفوا عظمة الله وآياته طفقوا يعبدون الأصنام، ولذلك نجد القرآن بعد تأكيد علم النبي صلى الله عليه واله بربه من خلال الوحي يأتي على بيان فساد عقائد المشركين بالآلهة المزيفة التي عبدوها من دون الله، بتوجيههم إلى العلم وتبصر الحقائق دون الاسترسال مع الأهواء، ويقول مستنكرا هذا الضلال أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى وهي من أهم وأشهر الأصنام التي عبدها المشركون في الجاهلية، فأما اللَّاتَ فقيل إنه صنم لأهل الطائف جعلوا له سدنة وكهنة وحجابا، وزعموا أنه تأنيث لله سبحانه وتعالى، وقالوا: إن كان لأهل مكة بيتٌ يزورونه ويطوفون حوله كل عام فنحن لنا هذا الإله، وكانت قبيلة ثقيف التي تسكن الطائف تقدسه وتحترمه، وأما [العزى] فقيل إنه تأنيث عزيز، وهو شجرة بين الطائف ومكة يقدسونها ويعبدونها، وقيل عن [مناة] إنه بين مكة والمدينة (ولعل التعبير مستوحى من الأمنية). وكانت قبيلتي الأوس والخزرج وأخرى غيرهما يزورونه ويطوفون حوله، وربما كانوا يحرمون عنده في طريقهم إلى مكة المكرمة.
والمشركون عبدوا هذه الأصنام ولم يروا عليها برهانا قاطعا، إنما نطقوا عن الهوى، واتبعوا الظن، أما الرسول فهو على بصيرة من أمره، وهدى من ربه، إنه آمن بالله من خلال وحيه الذي تنزل عليه، الذي كان من الدلالة والحجية أن رآه متجليا فيه، كما رآه متجليا في مشاهدات المعراج.