من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٩ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
سنوات مسترسلا قال: كنت في رحلة صيد في الصحراء، فلقيت رجلا معه بعض المال فسلبته قهرا، ثم أردت قتله فتوسل بي أن أتركه ولكن عزمت على سفك دمه. فلما رفعت عليه السيف نظر حوله فلم يجد أحدا إلا سربا من القطا صادف مرورها في اللحظة ذاتها. فقال: اشهدي بأنني اقتل غريبا مظلوما في هذه المفازة. فضحكت من قوله ثم قتلته. والآن لما رأيت القطا في السماط تذكرت ما قاله وسيفي يهوي عليه فلم أتمالك من الضحك على ذلك الرجل المسكين الذي أشهد القطا على قتله. فقال الخليفة: بلى، لقد أدت القطا شهادتها وأمر بجمع السماط، وقال للجلادين أحضروا النطع والسيف فأحضروهما وضرب عنقه.
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى وهناك فكرة نجدها في هذه الآية وهي أن كل سعي يقوم به الإنسان يتحول إلى كيان مادي، وأن الكلمة الطيبة، والموقف الشجاع، والنشاط السليم، كل ذلك يتحول إلى شيء ملموس يراه الإنسان. كذلك الكلمة الخبيثة، والموقف الجبان، والفساد.
أرأيت هذه الحركات المباركة، التي تُشيع الفضيلة وتزرع السلام وتبني الحضارات، إنها كانت في الأصل دعوات صالحة ومساعي حميدة. أرأيت هذه الويلات التي تصيب البشرية هنا وهناك، إنها كانت في الأصل كلمات خبيثة أو مساعي فاسدة.
وما معنى المسؤولية في الدنيا إلا ارتداد صدى سعي البشر إليه، فمن قاوم الظالم، عاش في ظل العدالة دهرا، ومن جبن عن مقاومته ساعة شمله خسفه وضيمه. وأمة تنشط في بناء حضارة تنعم في ظلها طويلا وأختها التي تتكاسل تعيش أبدا في بؤر التخلف والفساد.
وإن مرور الزمان على سعي الإنسان لا ينقصه إنما يزيده نماء أو لا أقل يبقيه كاملا وافيا ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى.
[٤٢- ٤٨] وإن هناك تسلسلا في السنن والمسببات في الحياة، ومنها سنة الجزاء، ولكنها لا تتحرك في الفراغ أو ما يسميه الفلاسفة بالدور، بل لها بداية ونهاية، وهناك من يشرف عليها وهو الله، فالعالم إذن ليس بعيدا عن العقلانية، ولا مجرد قوانين، وإنما هناك تدبير الهي حكيم يهيمن عليه، كما قال الله تعالى إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤] ومادام الأمر بيد الله وينتهي إليه فلتطمئن النفس إلى الجزاء وتثق بنتائج سعيها، وفي القرآن تذكرة بهذه البصيرة في مواضع شتى وبصيغ مختلفة.