من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٠ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى بلى إن الظاهر من الحياة هي النظم الدقيق والسنن الحاكمة. ولكن الجانب الخفي منها ولُهَّا هو هيمنة الله عليها. والمؤمنون مطمئنون إلى هذه الحقيقة وموقنون بها، في حين أن الآخرين لا يعلمون إلا الظاهر من الحياة. والقرآن هنا يؤكد هذه الهيمنة ويمثل لها بلطائف الأمور.
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى إن الإنسان يضحك للجزاء الحسن، ويبكي من الجزاء السيئ. سواء في الدنيا أو الآخرة. والله سبحانه يقدرهما للإنسان، فيمنح له من السعادة النفسية والمادية ما يضحكه (جزاء لما قدمه من عمل صالح)، أو ينتقم (لسوء عمله) فيسلب منه نعمه ويعصر قلبه بالهم حتى يبكيه. والقرآن لم يقل: افرحْ واحزنْ لأن الضحك والبكاء هما غايتا الفرح والحزن، وأجلى مصاديقهما؛ ولأن بينهما مسافة شاسعة لا بد من بيانها لنعرف عمق الهوة الفاصلة بين الخير والشر، وبين الجزاء الحسن والعقاب، ولعلنا نفقه بعض أبعاد مسؤوليتنا تجاه أفعالنا.
وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ربما يكون معنى الحياة هنا استمرارها والمحافظة عليها كقوله تعالى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة: ٣٢]، وأمر الموت والحياة بيده تعالى، مهما كانت أسبابهما الظاهرة، لأن الله يجُري الأمور بأسبابها، فقد يحفظ الحياة لأحد على يد الطبيب، أو يقدِّر له الموت بيد جلاد.
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وإنما يؤكد ربنا هذه الحقيقة وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم: ٤٢]، ثم يضرب الأمثلة من أهم ما يتحكم في كياننا لأن الإنسان قد يكتشف القوانين التي تسير الحياة وفقها، فيفسر الظواهر والحوادث تفسيراً ماديًّا مبنيًّا على أساس أن القانون هو كل شيء، فيرى أن الولادة تبدأ من الجماع حيث يقذف الرجل بالحيامن في رحم المرأة، ثم إن الرحم المهيأ لتكوين الجنين يبدأ بدوره ضمن قوانين ومعادلات معينة فتصير (البويضة+ الحويمن) جنينا ذكرا إذا غلب ماء الرجل، وأنثى إذا غلب ماء المرأة [١]. ثم يقف عند هذا الحد دون البحث عن منتهى هذه الظواهر. وإذا أمعنا النظر لبصرنا بالحلقات
[١] تحوي البيضة الملقحة التي سيتشكل منها الجنين ٢٢ زوجاً من الصبغيات الجسمية مع زوج من الصبغيات الجنسية، وتأتي هذه الصبغيات من اجتماع بويضة الأنثى التي تحوي دائماً (٢٢ صبغيًّا جسميًّا+ صبغي الجنسي) ومن نطفة الرجل التي تحتوي (٢٢ صبغيًّا جسميًّا+ صبغيًّا جنسيًّا إما أو) لأن نصف نطاف الرجل تحوي الصبغي ونصفها تحوي الصبغي، أما بويضة المرأة فدائماً تحمل الصبغي الجنسي. فإذا اتَّحدت البيضة مع نطفة حاوية على الصبغي الجنسي كان الجنين انثى. وإذا اتَّحدت مع نطفة حاوية على الصبغي الجنسي كان الجنين ذكراً، أي حسب المعادلة
نطفة ()+ بويضة ()/ () ذكر.
نطفة ()+ بويضة ()/ () أنثى.
مع الطب في القرآن الكريم، تأليف: د. عبدالحميد دياب، د. أحمد قرقوز، ص: ٢٧.