من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٦ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
استوى، وهذه الآية تؤكد سعة رحمة الله ومغفرته.
وقد تجلت هذه البصيرة القرآنية أيضا في دعاء الإمام الحسين في يوم عرفة، حيث جاء فيه
«ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً، وَخَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ، ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الأَصْلَابَ أَمْناً لِرَيْبِ المَنُونِ وَاخْتِلَافِ الدُّهُورِ، فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ الأَيَّامِ المَاضِيَةِ وَالقُرُونِ الخَالِيَةِ، لَمْ تُخْرِجْنِي لِرَأْفَتِكَ بِي وَلُطْفِكَ لِي وَإِحْسَانِكَ إِلَيَّ فِي دَوْلَةِ أَيَّامِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ وَكَذَّبُوا رُسُلَكَ، لَكِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي رَأْفَةً مِنْكَ وَتَحَنُّناً عَلَيَّ لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الهُدَى الَّذِي يَسَّرْتَنِي وَفِيهِ أَنْشَأْتَنِي، وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ رَؤُفْتَ بِي بِجَمِيلِ صُنْعِكَ وَسَوَابِغِ نِعْمَتِكَ فَابْتَدَعْتَ خَلْقِي مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ بَيْنَ لَحمٍ وَجِلْدٍ وَدَمٍ، لَمْ تُشَهِّرْنِي بِخَلْقِي وَلَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي.
ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيَا تَامّاً سَوِيّاً، وَحَفِظْتَنِي فِي المَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الغِذَاءِ لَبَناً مَرِيئاً، وَعَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الحَوَاضِنِ، وَكَفَّلْتَنِي الأُمَّهَاتِ الرَّحَائِمَ وَكَلَأْتَنِي مِنْ طَوَارِقِ الجَانِّ، وَسَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَتَعَالَيْتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحْمَنُ، حَتَّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ نَاطِقاً بِالكَلَامِ أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوَابِغَ الإِنْعَامِ فَرَبَّيْتَنِي زَائِداً فِي كُلِّ عَامٍ، حَتَّى إِذَا كَمَلَتْ فِطْرَتِي وَاعْتَدَلَتْ سَرِيرَتِي أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَنِي مَعْرِفَتَكَ، وَرَوَّعْتَنِي بِعَجَائِبِ فِطْرَتِكَ، وَأَنْطَقْتَنِي لِمَا ذَرَأْتَ لِي فِي سَمَائِكَ وَأَرْضِكَ مِنْ بَدَائِعِ خَلْقِكَ، وَنَبَّهْتَنِي لِذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَوَاجِبِ طَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ» [١].
البصيرة الثانية: نفوذ علم الله إلى جميع جوانب حياة الإنسان ودقائقها، إذن لا يفوته شيء عنه.
وفائدة بيان هذه الحقيقة هي أن الإنسان قد يُبتلى بالغرور والتبرير فيزكِّي نفسه، ويسمي كل ما يقترفه من الذنوب حتى الكبائر والفواحش لمما، أو يصل إلى حالة ذلك الإنسان الذي يشرب الخمر ويقول: إنه يتحول خلًّا بمجرد بلوغ فاه، ويبرر ذلك بأنه وصل إلى درجة من الإيمان حيث يتحول في جسمه الخمر خلًّا، أو الآخر الذي أمر أتباعه بالصلاة وقعد عنها لأنه عند نفسه بلغ مقاما فوق الصلاة.
فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى لأنه إذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة، بدأ رحلة الانتكاس ثم لا يتوقف بل ينحدر إلى أسفل سافلين.
[٣٣- ٣٤] إن عبادة الأصنام (الشرك بالله) وتزكية النفس تبريرات يتشبث بها الإنسان،
[١] بحارالأنوار: ج ٥٧، ص ٣٧٢.