من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٥ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
قبل كل شيء وبعده، ولو افترض أن أصابهم بسهم منه فإنهم سرعان ما يرجعون إلى الصواب إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١].
وكلمة أخيرة: إن في الإسلام نوعين من الذنوب: الصغائر والكبائر، ولكن المعيار الحقيقي في تحديد نوع الذنب هو مدى وعي الإنسان به وموقفه من ممارسته له، فقد يندفع الإنسان نحو ذنب صغير، ولكن تحدِّياً لسلطان الله، وعنادا واستكبارا عليه، فيكون كبيرا. فقد جاء في الحديث الشريف: عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ
«مَنْ هَمَّ بِخَيْرٍ فَلْيُعَجِّلْهُ ولَا يُؤَخِّرْهُ فَإِنَّ العَبْدَ رُبَّمَا عَمِلَ العَمَلَ فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ولَا أَكْتُبُ عَلَيْكَ شَيْئاً أَبَداً. ومَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَا يَعْمَلْهَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَمِلَ العَبْدُ السَّيِّئَةَ فَيَرَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ فَيَقُولُ: لَا وعِزَّتِي وجَلَالِي لَا أَغْفِرُ لَكَ بَعْدَهَا أَبَداً»
[١]
وقد يأتي الإنسان بذنب كبير استرسالا واستجابة لضغوط هائلة، ولكن سرعان ما يندم ويتراجع فإن الله سبحانه يغفر له .. قال تعالى وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: ١٣٥- ١٣٦].
ولكن من الذي يحدد الذنب الذي يقترفه الإنسان، هل هو من الصغائر أم من الكبائر على ضوء هذه القاعدة؟.
إنه الله الذي يحيط علما بدقائق حياة الإنسان، وفي جميع مراحل نشأته. ولا يُخدع الله عن جنته. نعم فهو الذي خلقنا وربانا من يوم كنا في بطون أمهاتنا حتى نموت. فحتى العوامل الوراثية والتربوية التي تؤثر في شخصية الإنسان التي تُنقل إليه وهو جنين يعلمها الله.
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ويبدو- بالإضافة للإشارة لخلق آدم عليه السلام- أن كلمة الأرض هنا تشير إلى القوى والعوامل السلبية المؤثرة في شخصية الإنسان، كالهوى وحب المال والظهور و ... وتشير الآية الكريمة إلى بصيرتين هما
البصيرة الأولى: سبق رحمة الله إلى الإنسان إذ والى نعمه عليه قبل أن يصير إلى رحم أمه فأنشأه من دون شيء سبق منه إليه تعالى، ثم لما صار جنينا أنشأه وأسبغ عليه من نعمه حتى
[١] وسائل الشيعة: ج ١٥، ص ٣١٣.