من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٦ - كونوا أنصار الله
بينها هاتان الآيتان، فإنهما تنطويان على بشارة بأن الكمال ينتظر البشرية في المستقبل، وأن نور الله سوف يتم يوماً من الأيام ليشمل كل الأرض ويهيمن على الناس جميعاً. وهكذا جعل ربنا خاتم أنبيائه صلى الله عليه واله أفضلهم. ولا غرابة حينئذ لو قرأنا الأخبار القائلة بأن آخر أوصيائه الاثنا عشر من ولده هو الذي ينهض بأعباء تلك النهضة العالمية نحو قمة السعادة والكمال.
قال علي بن إبراهيم القمي رضي الله عنه وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ
بِالقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله إِذَا خَرَجَ لَيُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ حَتَّى لَا يُعْبَدَ غَيْرُ الله وهو قوله
عليه السلام
«يَمْلَأَ الأَرْضَ قِسْطاً وعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»
[١]، وقال أمير المؤمنين عليه السلام
«حَتَّى لَا يَبْقَى قَرْيَةٌ إِلَّا وَنُودِيَ فِيهَا بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله بُكْرَةً وَعَشِيّاً»
[٢] بلى؛ لو قسنا مسيرة البشرية بالساعات والأيام فقد نجد بعض أمارات التراجع، وربما واجهتنا بعض الانتكاسات، ولكن المحصلة النهائية القائمة على أساس الأرقام الاستراتيجية (بالأجيال والقرون) تهدينا إلى أن المسيرة تتجه نحو الأمام، فليس من شك أن حال البشرية الآن خير مما كانت عليه قبل قرنين من الزمن لو اتخذنا مجمل القيم الدينية مقياسا، كالتقدم العلمي، والرفاه، والحرية و ...
ونجد في الآيتين الكريمتين بيانا لمسيرة الصراع بين الأفكار والأمم، ففي المرحلة الأولى يدور الصراع بين الفلسفات الدينية والقيم البشرية، فتنتصر الفكرة الدينية على الأخرى. وها نحن نلاحظ بشائر عودة الناس إلى الدين ونبذهم للكفر بالله عز وجل، وأظهر تلك البشائر ما نجده اليوم من تراجع سريع وواسع للمد الإلحادي (و منه الشيوعية) في سائر أنحاء العالم، وسوف يستمر هذا التحول حتى يأتي اليوم الذي تعود البشرية بمعظمها إلى الله والدين. فتبدأ المرحلة الثانية والتي يدور فيها الصراع بين الدين الخالص والأديان المحرَّفة، وقد تكفَّل ربنا بإظهار دينه الحق على كل الأديان هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
وعلى خاتمة هذه المرحلة ينتصر الله بوليه الأعظم الإمام الحجة بن الحسن عليه السلام لدينه الخالص. وحيث حدثتنا الآية الثامنة عن المرحلة الأولى جاءت خاتمتها وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، واختتم الآية التاسعة بالقول وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ لأن الذين يعاكسونهم إنما هم أتباع التوحيد الخالص من دنس الشرك والارتياب!.
[١٠- ١٣] ولأن هذا التكامل يتحقق عبر عشرات الألوف من المواجهات الممتدة عبر قرون متطاولة فإنه لا يخص عصرا أو طائفة أو جهة، إنما هي سنة إلهية، كسنة الضياء
[١] بحارالأنوار: ج ٥١، ص ٤٩، تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٦٥.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥١، ص ٦٠.